ابن قيم الجوزية

543

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وهذا موضع عظيم يحتاج إلى تبيين وتقدير . والمراد : أن السائر إلى اللّه يسير على قدم اليقين ، وطريق البصيرة والمشاهدة . فوقوفه مع الدليل : دليل على أنه لم يشمّ رائحة اليقين . والمراد بهذا : أن المعرفة عندهم ضرورية لا استدلالية . وهذا هو الصواب . ولهذا لم تدع الرسل قط الأمم إلى الإقرار بالصانع سبحانه وتعالى ، وإنما دعوهم إلى عبادته وتوحيده . وخاطبوهم خطاب من لا شبهة عنده قط في الإقرار باللّه تعالى . ولا هو محتاج إلى الاستدلال عليه . ولهذا قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ إبراهيم : 10 ] وكيف يصح الاستدلال على مدلول هو أظهر من دليله ؟ حتى قال بعضهم : كيف أطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء ؟ فتقيد السائر بالدليل وتوقفه عليه ، دليل على عدم يقينه ، بل إنما يتقيد بالدليل الموصل له إلى المطلوب بعد معرفته به ، فإنه يحتاج - بعد معرفته - إلى دليل يوصله إليه ، ويدله على طريق الوصول إليه ، وهذا الدليل : هو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فهو موقوف عليه يتقيد به ، لا يخطو خطوة إلا وراءه . وأيضا فالقوم يشيرون إلى الكشف ، ومشاهدة الحقيقة . وهذا لا يمكن طلبه بالدليل أصلا . ولا يقال : ما الدليل على حصول هذا ؟ وإنما يحصل بالسلوك في منازل السير ، وقطعها منزلة منزلة ، حتى يصل إلى المطلوب . فوصوله إليه بالسير لا بالاستدلال ، بخلاف وصول المستدل . فإنه إنما يصل إلى العلم ، ومطلوب القوم وراءه . والمهم منزلة من منازلهم - كما سيأتي ذكرها إن شاء اللّه تعالى - ولهذا يسمون أصحاب الاستدلال : أصحاب القال . وأصحاب الكشف : أصحاب الحال ، والقوم عاملون على الكشف الذي يحصل بنور العيان ، لا على العلم الذي ينال بالاستدلال والبرهان . وهذا موضع غلط واشتباه ، فإن الدليل في هذا المقام شرط ، وكذلك العلم . وهو باب لا بد من دخوله إلى المطلوب ، ولا يوصل إلى المطلوب إلا من بابه ، كما قال تعالى : وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها [ البقرة : 189 ] . ثم إنه يخاف على من لا يقف مع الدليل ما هو أعظم الأمور وأشدها خطرا ، وهو الانقطاع عن الطلب بالكلية ، والوصول إلى مجرد الخيال والمحال . فمن خرج عن الدليل : ضل سواء السبيل . فإن قيل : تعلقه في المسير بالدليل : يفرق عليه عزمه وقلبه . فإن الدليل يفرق والمدلول يجمع . فالسالك يقصد الجمعية على المدلول . فماله ولتفرقة الدليل ؟ . قيل : هذه هي البلية التي لأجلها أعرض من أعرض من السالكين عن العلم ونهى عنه . وجعلت علة في الطريق ، ووقع هذا في زمن الشيوخ القدماء العارفين فأنكروه غاية الإنكار ، وتبرأوا منه ومن قائله ، وأوصوا بالعلم ، وأخبروا أن طريقهم مقيدة بالعلم . لا يفلح فيها من لم يتقيد بالعلم ، والجنيد كان من أشد الناس مبالغة في الوصية بالعلم ، وحثا لأصحابه عليه . والتفرق في الدليل خير من الجمعية على الوهم والخيال ، فإنه لا يعرف كون الجمعية حقا إلا بالدليل والعلم ، فالدليل والعلم ضروريان للصادق ، لا يستغني عنهما . نعم يقينه ونور بصيرته وكشفه : يغنيه عن كثير من الأدلة التي يتكلفها المتكلفون ، وأرباب القال . فإنه مشغول عنها بما هو أهم منها . وهو الغاية المطلوبة .