ابن قيم الجوزية
542
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
هذه الدرجة أعلى مما قبلها وأصعب . فإن الأولى : تتضمن ترك المقابلة والتغافل . وهذه تتضمن الإحسان إلى من أساء إليك ، ومعاملته بضد ما عاملك به . فيكون الإحسان والإساءة بينك وبينه خطّتين . فخطتك : الإحسان . وخطته : الإساءة . وفي مثلها قال القائل : إذا مرضنا أتيناكم نعودكم * وتذنبون . فنأتيكم ونعتذر ومن أراد فهم هذه الدرجة كما ينبغي ، فلينظر إلى سيرة النبي صلى اللّه عليه وسلم مع الناس يجدها هذه بعينها ، ولم يكن كمال هذه الدرجة لأحد سواه . ثم للورثة منها بحسب سهامهم من التركة . وما رأيت أحدا قط أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - وكان بعض أصحابه الأكابر يقول : وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه . وما رأيته يدعو على أحد منهم قط ، وكان يدعو لهم . وجئت يوما مبشرا له بموت أكبر أعدائه ، وأشدهم عداوة وأذى له ، فنهرني وتنكر لي واسترجع ، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم ، وقال : إني لكم مكانه ، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه ، ونحو هذا من الكلام ، فسروا به ودعوا له ، وعظموا هذه الحال منه ، فرحمه اللّه ورضي عنه . وهذا مفهوم . وأما « الاعتذار إلى من يجني عليك » فإنه غير مفهوم في بادي الرأي ، إذ لم يصدر منك جناية توجب اعتذارا ، وغايتك : أنك لا تؤاخذه . فهل تعتذر إليه من ترك المؤاخذة . ومعنى هذا : أنك تنزل نفسك منزلة الجاني لا المجني عليه . والجاني خليق بالعذر . والذي يشهدك هذا المشهد : أنك تعلم أنه إنما سلط عليك بذنب ، كما قال تعالى : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [ الشّورى : 30 ] . فإذا علمت أنك بدأت بالجناية فانتقم اللّه منك على يده : كنت في الحقيقة أولى بالاعتذار . والذي يهون عليك هذا كله : مشاهدة تلك المشاهد العشرة المتقدمة ، فعليك بها ، فإن فيها كنوز المعرفة والبر . وقوله « سماحة لا كظما . ومودة ، لا مصابرة » . يعني : اجعل هذه المعاملة منك صادرة عن سماحة ، وطيبة نفس ، وانشراح صدر ، لا عن كظم ، وضيق ومصابرة ، فإن ذلك دليل على أن هذا ليس في خلقك ، وإنما هو تكلف يوشك أن يزول . ويظهر حكم الخلق صريحا فتفتضح ، وليس المقصود إلا إصلاح الباطن والسر والقلب . وهذا الذي قاله الشيخ لا يمكن إلا بعد العبور على جسر المصابرة والكظم . فإذا تمكن منه أفضى به إلى هذه المنزلة بعون اللّه . واللّه أعلم . قال « الدرجة الثالثة : أن لا تتعلق في السير بدليل ، ولا تشوب إجابتك بعوض ، ولا تقف في شهودك على رسم » . وهذه ثلاثة أمور اشتملت عليها هذه الدرجة . أما عدم تعلقه في السير بدليل : فقد بين مراده به في آخر الباب ، إذ يقول : « وفي علم الخصوص : من طلب نور الحقيقة على قدم الاستدلال لم يحلّ له دعوى الفتوّة أبدا » .