ابن قيم الجوزية

541

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

إلى جعفر معتذرا بالمال ، فأبى أن يقبله منه . وقال : شيء أخرجته من يدي لا أسترده أبدا . فقال الرجل للناس : من هذا ؟ فقالوا : هذا جعفر بن محمد رضي اللّه عنه . قال صاحب المنازل . « نكتة الفتوّة : أن لا تشهد لك فضلا . ولا ترى لك حقا » . يقول : قلب الفتوّة ، وإنسان عينها : أن تفنى بشهادة نقصك ، وعيبك عن فضلك . وتغيب بشهادة حقوق الخلق عليك عن شهادة حقوقك عليهم . والناس في هذا مراتب . فأشرفها : أهل هذه المرتبة ، وأخسها : عكسهم ، وهم أهل الفناء في شهود فضائلهم عن عيوبهم . وشهود حقوقهم على الناس عن شهود حقوق الناس عليهم . وأوسطهم : من شهد هذا وهذا . فيشهد ما في الغيب والكمال . ويشهد حقوق الناس عليه وحقوقه عليهم . درجات الفتوة « قال : « وهي على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : ترك الخصومة . والتغافل عن الزلة ، ونسيان الأذية » . هذه الدرجة من باب الترك والتخلي . وهي أن لا يخاصم أحدا . فلا ينصب نفسه خصما لأحد غيرها . فهي خصمه . وهذه المنزلة أيضا ثلاث درجات . لا يخاصم بلسانه . ولا ينوي الخصومة بقلبه . ولا يخطرها على باله . هذا في حق نفسه . وأما في حق ربه : فالفتوّة أن يخاصم باللّه وفي اللّه . ويحاكم إلى اللّه ، كما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول في دعاء الاستفتاح « وبك خاصمت . وإليك حاكمت » وهذه درجة فتوة العلماء الدعاة إلى اللّه تعالى . وأما « التغافل عن الزلة » فهو أنه إذا رأى من أحد زلّة يوجب عليه الشرع أخذه بها : أظهر أنه لم يرها ، لئلا يعرض صاحبها للوحشة . ويريحه من تحمل العذر . وفتوة التغافل : أرفع من فتوة الكتمان مع الرؤية . قال أبو علي الدقاق : جاءت امرأة فسألت حاتما عن مسألة ؟ فاتفق أنه خرج منها صوت في تلك الحالة ، فخجلت . فقال حاتم : ارفعي صوتك . فأوهمها أنه أصم ، فسرّت المرأة بذلك . وقالت : إنه لم يسمع الصوت . فلقب بحاتم الأصم وهذا التغافل هو نصف الفتوة . وأما « نسيان الأذية » فهو بأن تنسى أذية من نالك بأذى ، ليصفو قلبك له . ولا تستوحش منه . قلت : وهنا نسيان آخر أيضا . وهو من الفتوة . وهو نسيان إحسانك إلى من أحسنت إليه ، حتى كأنه لم يصدر منك . وهذا النسيان أكمل من الأول . وفيه قيل : ينسى صنائعه واللّه يظهرها * إن الجميل إذا أخفيته ظهرا قال « الدرجة الثانية : أن تقرّب من يقصيك . وتكرم من يؤذيك . وتعتذر إلى من يجني عليك ، سماحة لا كظما ، ومودّة لا مصابرة » .