ابن قيم الجوزية
540
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وقيل : الفتوّة أن لا ترى لنفسك فضلا على غيرك . وقال الدقاق : هذا الخلق لا يكون كماله إلا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فإن كل أحد يقول يوم القيامة : نفسي نفسي ، وهو يقول : « أمتي أمتي » . وقيل : الفتوّة كسر الصنم الذي بينك وبين اللّه تعالى ، وهو نفسك ، فإن اللّه حكى عن خليله إبراهيم عليه السّلام : أنه جعل الأصنام جذاذا ، فكسر الأصنام له ، فالفتى من كسر صنما واحدا في اللّه . وقيل : الفتوّة أن لا تكون خصما لأحد ، يعني في حفظ نفسك ، وأما في حق اللّه ، فالفتوّة : أن تكون خصما لكل أحد . ولو كان الحبيب المصافيا . وقال الترمذي : الفتوّة أن يستوي عندكم المقيم والطارىء . وقال بعضهم : الفتوّة أن لا يميز بين أن يأكل عنده ولي أو كافر . وقال الجنيد أيضا : الفتوّة كف الأذى وبذل الندى . وقال سهل : هي اتباع السنة . وقيل : هي الوفاء والحفاظ . وقيل : فضيلة تأتيها ، ولا ترى نفسك فيها . وقيل : أن لا تحتجب ممن قصدك . وقيل : أن لا تهرب إذا أقبل العافي . يعني طالب المعروف ، وقيل : إظهار النعمة وإسرار المحنة . وقيل : أن لا تدخر ولا تعتذر . وقيل : تزوج رجل بامرأة . فلما دخلت عليه رأى بها الجدري . فقال : اشتكيت عيني . ثم قال : عميت ، فبعد عشرين سنة ماتت . ولم تعلم أنه بصير ، فقيل له في ذلك . فقال : كرهت أن يحزنها رؤيتي لما بها . فقيل له : سبقت الفتيان . وقيل : ليس من الفتوّة أن تربح على صديقك . واستضاف رجل جماعة من الفتيان . فلما فرغوا من الطعام خرجت جارية تصب الماء على أيديهم ، فانقبض واحد منهم . وقال : ليس من الفتوّة أن تصب النسوان الماء على أيدي الرجال . فقال آخر منهم : أنا منذ سنين أدخل إلى هذه الدار ، ولم أعلم أن امرأة تصب الماء على أيدينا أو رجلا . وقدم جماعة فتيان لزيارة فتى . فقال الرجل : يا غلام قدم السفرة ، فلم يقدم ، فقالها ثانيا وثالثا فلم يقدم ، فنظر بعضهم إلى بعض ، وقالوا : ليس من الفتوّة أن يستخدم الرجل من يتعاصى عليه في تقديم السفرة كل هذا . فقال الرجل : لم أبطأت بالسفرة ؟ فقال الغلام : كان عليها نمل . فلم يكن من الأدب تقديم السفرة إلى الفتيان مع النمل . ولم يكن من الفتوة إلقاء النمل وطردهم عن الزاد « 1 » ، فلبثت حتى دب النمل . فقالوا : يا غلام . مثلك يخدم الفتيان . ومن الفتوّة التي لا تلحق : ما يذكر أن رجلا نام من الحاج في المدينة ، ففقد هميانا فيه ألف دينار ، فقام فزعا ، فوجد جعفر بن محمد فعلق به . وقال : أخذت همياني . فقال : أي شيء كان فيه ؟ قال : ألف دينار ، فأدخله داره ووزن له ألف دينار . ثم إن الرجل وجد هميانه ، فجاء
--> ( 1 ) وماذا في هذا إلا الحمق ؟ .