ابن قيم الجوزية

53

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وفي إعادة « إِيَّاكَ » مرة أخرى دلالة على تعلق هذه الأمور بكل واحد من الفعلين . ففي إعادة الضمير من قوة الاقتضاء لذلك ما ليس في حذفه ، فإذا قلت لملك مثلا : إياك أحب ، وإياك أخاف . كان فيه من اختصاص الحب والخوف بذاته ، والاهتمام بذكره ، ما ليس في قولك : إياك أحب وأخاف . تقسيم الناس إلى عبادة ومعرضين إذا عرفت هذا ؛ فالناس في هذين الأصلين - وهما العبادة والاستعانة - أربعة أقسام . القسم الأول أجلّها وأفضلها : أهل العبادة والاستعانة باللّه عليها . فعبادة اللّه غاية مرادهم وطلبهم منه أن يعينهم عليها ، ويوفقهم للقيام بها . ولهذا كان من أفضل ما يسأل الرب تبارك وتعالى : الإعانة على مرضاته ، وهو الذي علّمه النبي صلى اللّه عليه وسلم لحبّ معاذ بن جبل رضي اللّه عنه ، فقال « يا معاذ ، واللّه إني لأحبك . فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك » . فأنفع الدعاء : طلب العون على مرضاته . وأفضل المواهب : إسعافه بهذا المطلوب . وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا ، وعلى دفع ما يضاده ، وعلى تكميله وتيسير أسبابه . فتأملها . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - : تأملت أنفع الدعاء : فإذا هو سؤال العون على مرضاته . ثم رأيته في الفاتحة في « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » . ومقابل هؤلاء : القسم الثاني : وهم المعرضون عن عبادته والاستعانة به . فلا عبادة ولا استعانة . بل إن سأله أحدهم واستعان به ، فعلى حظوظه وشهواته ، لا على مرضاة ربه وحقوقه . فإنه سبحانه يسأله من في السماوات والأرض : يسأله أولياؤه وأعداؤه ويمدّ هؤلاء وهؤلاء . وأبغض خلقه : عدوه إبليس ، ومع هذا فقد سأله حاجة فأعطاه إياها ، ومتعه بها . ولكن لما لم تكن عونا له على مرضاته ، كانت زيادة له في شقوته ، وبعده عن اللّه وطرده عنه . وهكذا كل من استعان به على أمر وسأله إياه ، ولم يكن عونا على طاعته : كان مبعدا له عن مرضاته ، قاطعا له عنه ولا بد . وليتأمل العاقل هذا في نفسه وفي غيره . وليعلم أن إجابة اللّه لسائليه ليست لكرامة السائل عليه ، بل يسأله عبده الحاجة فيقضيها له ، وفيها هلاكه وشقوته . ويكون قضاؤه له من هوانه عليه ، وسقوطه من عينه . ويكون منعه منها لكرامته عليه ومحبته له . فيمنعه حماية وصيانة وحفظا ، لا بخلا . وهذا إنما يفعله بعبده الذي يريد كرامته ومحبته ، ويعامله بلطفه . فيظن - بجهله - أن اللّه لا يحبه ولا يكرمه . ويراه يقضي حوائج غيره ، فيسيء ظنه بربه . وهذا حشو قلبه ولا يشعر به . والمعصوم من عصمه اللّه . والإنسان على نفسه بصيرة ، وعلامة هذا : حمله على الأقدار . وعتابه الباطن لها . كما قيل : وعاجز الرأي مضياع لفرصته * حتى إذا فات أمر عاتب القدرا فو اللّه لو كشف عن حاصله وسره لرأى هناك معاتبة القدر واتهامه ، وأنه قد كان ينبغي أن يكون كذا وكذا ، ولكن ما حيلتي ، والأمر ليس إليّ ؟ والعاقل خصم نفسه . والجاهل خصم أقدار ربه .