ابن قيم الجوزية

54

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

فاحذر كل الحذر أن تسأله شيئا معينا خيرته وعاقبته مغيبة عنك . وإذا لم تجد من سؤاله بدّا ، فعلقه على شرط علمه تعالى فيه الخيرة . وقدم بين يدي سؤالك الاستخارة . ولا تكن استخارة باللسان بلا معرفة ، بل استخارة من لا علم له بمصالحه ، ولا قدرة له عليها ، ولا اهتداء له إلى تفاصيلها . ولا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ، بل إن وكل إلى نفسه هلك كل الهلاك ، وانفرط عليه أمره . وإذا أعطاك ما أعطاك بلا سؤال : تسأله أن يجعله عونا لك على طاعته وبلاغا إلى مرضاته ، ولا يجعله قاطعا لك عنه ، ولا مبعدا عن مرضاته . ولا تظن أن عطاءه كلّ ما أعطى لكرامة عبده عليه ؛ ولا منعه كل ما يمنعه لهوان عبده عليه ، ولكن عطاؤه ومنعه ابتلاء وامتحان ، يمتحن بهما عباده . قال اللّه تعالى : فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ( 15 ) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ( 16 ) كَلَّا [ الفجر : 15 - 17 ] أي ليس كل من أعطيته ونعمته وخولته : فقد أكرمته ، وما ذاك لكرامته عليّ . ولكنه ابتلاء مني ، وامتحان له : أيشكرني فأعطيه فوق ذلك ، أم يكفرني فأسلبه إياه ، وأخوّل فيه غيره ؟ وليس كل من ابتليته فضيقت عليه رزقه ، وجعلته بقدر لا يفضل عنه ، فذلك من هوانه عليّ ، ولكنه ابتلاء وامتحان مني له : أيصبر ؟ فأعطيه أضعاف أضعاف ما فاته من سعة الرزق ، أم يتسخّط ؟ فيكون حظه السخط . فرد اللّه سبحانه على من ظن أن سعة الرزق إكرام ، وأن الفقر إهانة ، فقال : لم أبتل عبدي بالغنى لكرامته عليّ ، ولم أبتله بالفقر لهوانه عليّ . فأخبر أن الإكرام والإهانة لا يدوران على المال وسعة الرزق وتقديره . فإنه سبحانه يوسع على الكافر لا لكرامته ، ويقتّر على المؤمن لا لإهانته . إنما يكرم من يكرمه بمعرفته ومحبته وطاعته ، ويهين من يهينه بالإعراض عنه ومعصيته . فله الحمد على هذا وعلى هذا . وهو الغني الحميد . فعادت سعادة الدنيا والآخرة إلى « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » . القسم الثالث : من له نوع عبادة بلا استعانة . وهؤلاء نوعان : أحدهما : القدرية ، القائلون بأنه قد فعل بالعبد جميع مقدوره من الألطاف ، وأنه لم يبق في مقدوره إعانة له على الفعل . فإنه قد أعانه بخلق الآلات وسلامتها ، وتعريف الطريق ، وإرسال الرسل ، وتمكينه من الفعل . فلم يبق بعد هذا إعانة مقدورة يسأله إياها . بل قد ساوى بين أوليائه وأعدائه في الإعانة . فأعان هؤلاء كما أعان هؤلاء . ولكن أولياءه اختاروا لنفوسهم الإيمان ، وأعداءه اختاروا لنفوسهم الكفر ، من غير أن يكون اللّه سبحانه وفق هؤلاء بتوفيق زائد ، أوجب لهم الإيمان . وخذل هؤلاء بأمر آخر ، أوجب لهم الكفر . فهؤلاء لهم نصيب منقوص من العبادة ، لا استعانة معه . فهم موكولون إلى أنفسهم . مسدود عليهم طريق الاستعانة والتوحيد . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : الإيمان بالقدر نظام التوحيد ، فمن آمن باللّه وكذب بقدره نقض تكذيبه توحيده . النوع الثاني : من لهم عبادات وأوراد ، ولكن حظهم ناقص من التوكل والاستعانة ، لم تتسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر ، وتلاشيها في ضمنه ، وقيامها به ، وأنها بدون القدر كالموات الذي لا تأثير له ، بل كالعدم الذي لا وجود له ، وأن القدر كالروح المحرك لها ، والمعوّل على المحرك الأول .