ابن قيم الجوزية
529
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
فلأنه إذا عاملهم بهذه المعاملة : من إقامة أعذارهم ، والعفو عنهم ، وترك مقابلتهم : استوت كراهتهم ومحبتهم له . وكان ذلك سببا لنجاتهم الأخروية أيضا . إذ يرشدهم ذلك إلى القبول منه . وتلقي ما يأمرهم به وينهاهم عنه أحسن التلقي . هذه طباع الناس . قال « الدرجة الثانية : تحسين خلقك مع الحق . وتحسينه منك : أن تعلم أن كل ما يأتي منك يوجب عذرا ، وأن كل ما يأتي من الحق يوجب شكرا ، وأن لا ترى له من الوفاء بدا » . وهذه الدرجة مبنية على قاعدتين : إحداهما : أن تعلم أنك ناقص . وكلّ ما يأتي من الناقص ناقص . فهو يوجب اعتذاره منه لا محالة . فعلى العبد أن يعتذر إلى ربه من كل ما يأتي به من خير وشرّ . أما الشر : فظاهر . وأما الخير : فيعتذر من نقصانه . ولا يراه صالحا لربه . فهو - مع إحسانه - معتذر في إحسانه . ولذلك مدح اللّه أولياءه بالوجل منه مع إحسانهم بقوله : وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [ المؤمنون : 60 ] وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم « هو الرجل يصوم ، ويتصدق ، ويخاف أن لا يقبل منه » فإذا خاف فهو بالاعتذار أولى . والحامل له على هذا الاعتذار أمران : أحدهما : شهود تقصيره ونقصانه . والثاني : صدق محبته . فإن المحب الصادق يتقرب إلى محبوبه بغاية إمكانه وهو معتذر إليه ، مستحيي منه : أن يواجهه بما واجهه به . وهو يرى أن قدره فوقه وأجل منه . وهذا مشاهد في محبة المخلوقين . القاعدة الثانية : استعظام كل ما يصدر منه سبحانه إليك ، والاعتراف بأنه يوجب الشكر عليك ، وأنك عاجزه عن شكره . ولا يتبين هذا إلا في المحبة الصادقة . فإن المحب يستكثر من محبوبه كل ما يناله . فإذا ذكره بشيء وأعطاه إياه : كان سروره بذكره له ، وتأهيله لعطائه : أعظم عنده من سروره بذلك العطاء بل يغيب بسروره بذكره له عن سروره بالعطية . وإن كان المحب يسره ذكر محبوبه له ، وإن ناله بمساءة . كما قال القائل : لئن ساءني أن نلتني بمساءة * لقد سرني أني خطرت ببالكا فكيف إذا ناله محبوبه بمسرة - وإن دقت - فإنه لا يراها إلا جليلة خطيرة . فكيف هذا مع الرب تعالى الذي لا يأتي أبدا إلا بالخير ؟ ويستحيل خلاف ذلك في حقه . كما يستحيل عليه خلاف كماله . وقد أفصح أعرف الخلق بربه عن هذا بقوله « والشر ليس إليك » أي لا يضاف إليك . ولا ينسب إليك . ولا يصدر منك . فإن أسماءه كلها حسنى ، وصفاته كلها كمال ، وأفعاله كلها فضل وعدل ، وحكمة ورحمة ومصلحة . فبأي وجه ينسب الشر إليه سبحانه وتعالى ؟ فكل ما يأتي منه فله عليه الحمد والشكر . وله فيه النعمة والفضل . قوله : « وأن لا يرى من الوفاء بدا » . يعني : أن معاملتك للحق سبحانه بمقتضى الاعتذار من كل ما منك ، والشكر على ما منه : عقد مع اللّه تعالى . لازم لك أبدا ، لا ترى من الوفاء به بدا . فليس ذلك بأمر عارض ، وحال يحول ، بل عقد لازم عليك الوفاء به إلى يوم القيامة .