ابن قيم الجوزية
530
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
قال « الدرجة الثالثة : التخلق بتصفية الخلق . ثم الصعود عن تفرقة التخلق . ثم التخلق بمجاوزة الأخلاق » . هذه الدرجة ثلاثة أشياء : أحدها : تصفية الخلق بتكميل ما ذكر في الدرجتين قبله . فيصفيه من كل شائبة وقذى ومشوش . فإذا فعلت ذلك صعدت من تفرقته إلى جمعيتك على اللّه . فإن التخلق والتصوف تهذيب واستعداد للجمعية . وإنما سماه تفرقة : لأنه اشتغال بالغير . والسلوك يقتضي الإقبال بالكلية ، والاشتغال بالرب وحده عما سواه . ثم يصعد إلى ما فوق ذلك . وهو مجاوزة الأخلاق كلها بأن يغيب عن الخلق والتخلق ، وهذه الغيبة لها مرتبتان عندهم : إحداهما : الاشتغال باللّه عزّ وجلّ عن كل ما سواه . والثانية : الفناء في الفردانية التي يسمونها « حضرة الجمع » وهي أعلى الغايات عندهم . وهي موهبية « 1 » لا كسبية . لكن العبد إذا تعرض وصدق في الطلب : رجي له الظفر بمطلوبه . واللّه أعلم . ومدار حسن الخلق مع الحق ، ومع الخلق : على حرفين . ذكرهما عبد القادر الكيلاني فقال : كن مع الحق بلا خلق . ومع الخلق بلا نفس . فتأمل ما أجل هاتين الكلمتين ، مع اختصارهما ، وما أجمعهما لقواعد السلوك . ولكل خلق جميل ؟ وفساد الخلق إنما ينشأ من توسط الخلق بينك وبين اللّه تعالى . وتوسط النفس بينك وبين خلقه . فمتى عزلت الخلق - حال كونك مع اللّه تعالى - وعزلت النفس - حال كونك مع الخلق - فقد فزت بكل ما أشار إليه القوم . وشمروا إليه . وحاموا حوله . واللّه المستعان . منزلة التواضع ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « التواضع » قال اللّه تعالى : وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً [ الفرقان : 63 ] أي سكينة ووقارا متواضعين ، غير أشرين ، ولا مرحين ولا متكبرين . قال الحسن : علماء حلماء . وقال محمد ابن الحنفية : أصحاب وقار وعفة لا يسفهون . وإن سفه عليهم حلموا . « والهون » بالفتح في اللغة : الرفق واللين . و « الهون » بالضم : الهوان . فالمفتوح منه : صفة أهل الإيمان . والمضموم : صفة أهل الكفران . وجزاؤهم من اللّه النيران . وقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ [ المائدة : 54 ] . لما كان الذل منهم ذل رحمة وعطف وشفقة وإخبات عداه بأداة « على » تضمينا لمعاني هذه
--> ( 1 ) أي فطرية طبيعية . لأنها عندهم تطور من تطورات الحقيقة الإلهية التي هي النواة والمادة الأولى التي نبت وخرج منها كل الكائنات ، كالنواة تخرج منها النخلة الجيدة البلح والنخلة الرديئة البلح . وهذا هو سبيل الفناء عندهم .