ابن قيم الجوزية
52
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
ولأن « الاستعانة » جزء من « العبادة » من غير عكس . ولأن « الاستعانة » طلب منه ، و « العبادة » طلب له . ولأن العبادة لا تكون إلا من مخلص ، و « الاستعانة » تكون من مخلص ومن غير مخلص . ولأن « العبادة » حقه الذي أوجبه عليك ، و « الاستعانة » طلب العون على العبادة . وهو بيان صدقته التي تصدق بها عليك . وأداء حقه : أهم من التعرض لصدقته . ولأن « العبادة » شكر نعمته عليك ، واللّه يحب أن يشكر ، و « الإعانة » فعله بك وتوفيقه لك . فإذا التزمت عبوديته ، ودخلت تحت رقّها أعانك عليها . فكان التزامها والدخول تحت رقها سببا لنيل الإعانة . وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة من اللّه له أعظم . و « العبودية » محفوفة بإعانتين : إعانة قبلها على التزامها والقيام بها ، وإعانة بعدها على عبودية أخرى . وهكذا أبدا ، حتى يقضي العبد نحبه . ولأن « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » له . و « إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » به . وما له مقدم على ما به . لأن ما له متعلق بمحبته ورضاه . وما به متعلق بمشيئته . وما تعلق بمحبته أكمل مما تعلق بمجرد مشيئته ، فإن الكون كله متعلق بمشيئته ، والملائكة والشياطين والمؤمنون والكفار ، والطاعات والمعاصي . والمتعلق بمحبته : طاعاتهم وإيمانهم . فالكفار أهل مشيئته ، والمؤمنون أهل محبته . ولهذا لا يستقر في النار شيء للّه أبدا . وكل ما فيها فإنه به تعالى وبمشيئته . فهذه الأسرار يتبين بها حكمة تقديم « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » على « إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » . وأما تقديم المعبود والمستعان على الفعلين ، ففيه : أدبهم مع اللّه بتقديم اسمه على فعلهم . وفيه الاهتمام وشدة العناية به . وفيه الإيذان بالاختصاص ، المسمى بالحصر . فهو في قوة : لا نعبد إلا إياك ، ولا نستعين إلا بك . والحاكم في ذلك ذوق العربية والفقه فيها ، واستقراء موارد استعمال ذلك مقدما . وسيبويه نص على الاهتمام ، ولم ينف غيره . ولأنه يقبح من القائل : أن يعتق عشرة أعبد مثلا ، ثم يقول لأحدهم : إياك أعتقت . ومن سمعه أنكر ذلك عليه ، وقال : وغيره أيضا أعتقت . ولولا فهم الاختصاص لما قبح هذا الكلام ، ولا حسن إنكاره . وتأمل قوله تعالى : وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [ البقرة : 40 ] وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [ البقرة : 41 ] كيف تجده في قوة : لا ترهبوا غيري ، ولا تتقوا سواي ؟ وكذلك « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » هو في قوة : لا نعبد غيرك . ولا نستعين بسواك . وكل ذي ذوق سليم يفهم هذا الاختصاص من علة السياق . ولا عبرة بجدل من قلّ فهمه ، وفتح عليه باب الشك والتشكيك . فهؤلاء هم آفة العلوم ، وبلية الأذهان والفهوم ، مع أن في ضمير « إِيَّاكَ » من الإشارة إلى نفس الذات والحقيقة ما ليس في الضمير المتصل . ففي : إياك قصدت ، وأحببت : من الدلالة على معنى : حقيقتك وذاتك قصدي ، ما ليس في قولك : قصدتك وأحببتك . وإياك أعني ، فيه معنى : نفسك وذاتك وحقيقتك أعني . ومن ههنا قال من قال من النحاة : إن « إيّا » اسم ظاهر مضاف إلى الضمير المتصل . ولم يردّ عليه بردّ شاف . ولولا أنّا في شأن وراء هذا لأشبعنا الكلام في هذه المسألة ، وذكرنا مذاهب النحاة فيها ، ونصرنا الراجح . ولعلنا أن نعطف على ذلك بعون اللّه .