ابن قيم الجوزية

51

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

خضعت له بلا محبة ، لم تكن عابدا له ، حتى تكون محبا خاضعا . ومن ههنا كان المنكرون محبة العباد لربهم منكرين حقيقة العبودية ، والمنكرون لكونه محبوبا لهم . بل هو غاية مطلوبهم - ووجهه الأعلى نهاية بغيتهم - : منكرين لكونه إلها ، وإن أقروا بكونه ربا للعالمين وخالقا لهم . فهذا غاية توحيدهم . وهو توحيد الربوبية ، الذي اعترف به مشركو العرب ، ولم يخرجوا به عن الشرك ، كما قال تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ الزّخرف : 87 ] وقال تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ الزّمر : 38 ] قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 84 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 85 ) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( 86 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 87 ) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 88 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ( 89 ) [ المؤمنون : 84 ، 89 ] ولهذا يحتج عليهم به على توحيد إلهيته ، وأنه لا ينبغي أن يعبد غيره ، كما أنه لا خالق غيره ، ولا رب سواه . و « الاستعانة » تجمع أصلين : الثقة باللّه ، والاعتماد عليه . فإن العبد قد يثق بالواحد من الناس ، ولا يعتمد عليه في أموره - مع ثقته به - لاستغنائه عنه . وقد يعتمد عليه - مع عدم ثقته به - لحاجته إليه ، ولعدم من يقوم مقامه . فيحتاج إلى اعتماده عليه . مع أنه غير واثق به . و « التوكل » معنى يلتئم من أصلين : من الثقة ، والاعتماد . وهو حقيقة « إياك نعبد وإياك نستعين » وهذان الأصلان - وهما التوكل ، والعبادة - قد ذكرا في القرآن في عدة مواضع ، قرن بينهما فيها . هذا أحدها . الثاني : قول شعيب : وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [ هود : 88 ] . الثالث : قوله تعالى : وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [ هود : 123 ] . الرابع : قوله تعالى حكاية عن المؤمنين : رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [ الممتحنة : 4 ] . الخامس : قوله تعالى : وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ( 8 ) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ( 9 ) [ المزمّل : 8 ، 9 ] . السادس : قوله تعالى : قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ [ الرّعد : 30 ] . فهذه ستة مواضع يجمع فيها بين الأصلين . وهما « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » . وتقديم « العبادة » على « الاستعانة » في الفاتحة من باب تقديم الغايات على الوسائل . إذ « العبادة » غاية العباد التي خلقوا لها ، و « الاستعانة » وسيلة إليها . ولأن « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » متعلق بألوهيته واسمه « اللّه » و « إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » متعلق بربوبيته واسمه « الرب » فقدم « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » على « إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » كما قدم اسم « اللّه » على « الرب » في أول السورة . ولأن « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » قسم الرب . فكان من الشطر الأول ، الذي هو ثناء على اللّه تعالى ، لكونه أولى به . و « إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » قسم العبد . فكان من الشطر الذي له ، وهو « اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ » إلى آخر السورة . ولأن « العبادة » المطلقة : تتضمن « الاستعانة » من غير عكس . فكل عابد للّه عبودية تامة : مستعين به ولا ينعكس . لأن صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين به على شهواته . فكانت العبادة أكمل وأتم . ولهذا كانت قسم الرب .