ابن قيم الجوزية

491

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وقد قسم « الحياء » على عشرة أوجه : حياء جناية ، وحياء تقصير ، وحياء إجلال ، وحياء كرم ، وحياء حشمة ، وحياء استصغار للنفس واحتقار لها ، وحياء محبة ، وحياء عبودية ، وحياء شرف وعزة ، وحياء المستحيي من نفسه . فأما حياء الجناية : فمنه حياء آدم عليه السلام لما فرّ هاربا في الجنة . قال اللّه تعالى : أفرارا مني يا آدم ؟ قال : لا يا رب . بل حياء منك . وحياء التقصير : كحياء الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، فإذا كان يوم القيامة قالوا : سبحانك ! ما عبدناك حق عبادتك . وحياء الإجلال : هو حياء المعرفة . وعلى حسب معرفة العبد بربه يكون حياؤه منه . وحياء الكرم : كحياء النبي صلى اللّه عليه وسلم من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب ، وطوّلوا الجلوس عنده . فقام واستحيى أن يقول لهم : انصرفوا . وحياء الحشمة : كحياء علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أن يسأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن المذي لمكان ابنته منه . وحياء الاستحقار ، واستصغار النفس : كحياء العبد من ربه عزّ وجلّ حين يسأله حوائجه ، احتقارا لشأن نفسه ، واستصغارا لها . وفي أثر إسرائيلي : « إن موسى عليه السلام قال : يا رب ، إنه لتعرض لي الحاجة من الدنيا ، فأستحيي أن أسألك هي يا رب . فقال اللّه تعالى : سلني حتى ملح عجينتك ، وعلف شاتك » . وقد يكون لهذا النوع سببان : أحدهما : استحقار السائل نفسه ، واستعظام ذنوبه وخطاياه . الثاني : استعظام مسؤوله . وأما حياء المحبة : فهو حياء المحب من محبوبه ، حتى إنه إذا خطر على قلبه في غيبته هاج الحياء من قلبه ، وأحس به في وجهه . ولا يدري ما سببه . وكذلك يعرض للمحب عند ملاقاته محبوبه ومفاجأته له روعة شديدة . ومنه قولهم : « جمال رائع » وسبب هذا الحياء والروعة مما لا يعرفه أكثر الناس ، ولا ريب أن للمحبة سلطانا قاهرا للقلب أعظم من سلطان من يقهر البدن . فأين من يقهر قلبك وروحك إلى من يقهر بدنك ؟ ولذلك تعجبت الملوك والجبابرة من قهرهم للخلق . وقهر المحبوب لهم ، وذلهم له ، فإذا فاجأ المحبوب محبه ، ورآه بغتة : أحس القلب بهجوم سلطانه عليه ، فاعتراه روعة وخوف . وسألنا يوما شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - عن هذه المسألة ؟ فذكرت أنا هذا الجواب . فتبسم ولم يقل شيئا . وأما الحياء الذي يعتريه منه ، وإن كان قادرا عليه - كأمته وزوجته - فسببه - واللّه أعلم - أن هذا السلطان لما زال خوفه عن القلب بقيت هيبته واحتشامه . فتولد منها الحياء ، وأما حصول ذلك له في غيبة المحبوب : فظاهر ، لاستيلائه على قلبه ، فوهمه يغالطه عليه ويكابره ، حتى كأنه معه .