ابن قيم الجوزية

492

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وأما حياء العبودية : فهو حياء ممتزج من محبة وخوف ، ومشاهدة عدم صلاح عبوديته لمعبوده ، وأن قدره أعلى وأجل منها فعبوديته له توجب استحياءه منه لا محالة . وأما حياء الشرف والعزة : فحياء النفس العظيمة الكبيرة إذا صدر منها ما هو دون قدرها من بذل أو عطاء وإحسان ، فإنه يستحيي مع بذله حياء شرف نفس وعزة . وهذا له سببان : أحدهما : هذا . والثاني : استحياؤه من الآخذ ، حتى كأنه هو الآخذ السائل ، حتى إن بعض أهل الكرم لا تطاوعه نفسه بمواجهته لمن يعطيه حياء منه . وهذا يدخل في حياء التلوم . لأنه يستحيي من خجلة الآخذ . وأما حياء المرء من نفسه : فهو حياء النفوس الشريفة العزيزة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص ، وقناعتها بالدون . فيجد نفسه مستحييا من نفسه ، حتى كأن له نفسين ، يستحيي بإحداهما من الأخرى . وهذا أكمل ما يكون من الحياء ، فإن العبد إذا استحيى من نفسه . فهو بأن يستحيي من غيره أجدر . الحياء من أول مدارج أهل الخصوص قال صاحب المنازل : « الحياء : من أول مدارج أهل الخصوص . يتولد من تعظيم منوط بودّ » . إنما جعل « الحياء » من أول مدارج أهل الخصوص : لما فيه من ملاحظة حضور من يستحيى منه . وأول سلوك أهل الخصوص : أن يروا الحق سبحانه حاضرا معهم ، وعليه بناء سلوكهم . وقوله : « إنه يتولد من تعظيم منوط بود » . يعني : أن الحياء حالة حاصلة من امتزاج التعظيم بالمودة . فإذا اقترنا تولد بينهما الحياء . والجنيد يقول : إن تولده من مشاهدة النعم ، ورؤية التقصير . ومنهم من يقول : تولده من شعور القلب بما يستحيى منه . فيتولد من هذا الشعور والنفرة حالة تسمى الحياء . ولا تنافي بين هذه الأقوال . فإن للحياء عدة أسباب ، قد تقدم ذكرها . فكل أشار إلى بعضها ، واللّه أعلم . درجات الحياء قال « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : حياء يتولد من علم العبد بنظر الحق إليه ، فيجذبه إلى تحمل هذه المجاهدة ، ويحمله على استقباح الجناية ، ويسكته عن الشكوى » . يعني : أن العبد متى علم أن الرب تعالى ناظر إليه أورثه هذا العلم حياء منه . يجذبه إلى احتمال أعباء الطاعة ، مثل العبد إذا عمل الشغل بين يدي سيده . فإنه يكون نشيطا فيه ، محتملا لأعبائه ، ولا سيما مع الإحسان من سيده إليه ، ومحبته لسيده ، بخلاف ما إذا كان غائبا عن سيده ، والرب تعالى لا يغيب نظره عن عبده ، ولكن يغيب نظر القلب والتفاته إلى نظره سبحانه إلى العبيد ، فإن القلب إذا غاب نظره ، وقلّ التفاته إلى نظر اللّه تبارك وتعالى إليه : تولد من ذلك قلة الحياء والقحة .