ابن قيم الجوزية

487

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

فأما شهوده عبودية : فهو مشاهدة العبد للسيد بحقيقة العبودية والملك له ، فإن العبيد إذا حضروا بين يدي سيدهم ، فإنهم ينسون ما هم فيه من الجاه ، والقرب الذي اختصّوا به عن غيرهم باستغراقهم في أدب العبودية وحقها . وملاحظتهم لسيدهم ، خوفا أن يشير إليهم بأمر ، فيجدهم غافلين عن ملاحظته ، وهذا أمر يعرفه من شاهد أحوال الملوك وخواصهم . فهذا هو شهود العبد للمنعم بوصف عبوديته له ، واستغراقه عن الإحسان بما حصل له منه القرب الذي تميز به عن غيره . فصاحب هذا المشهد : إذا أنعم عليه سيده في هذه الحال - مع قيامه في مقام العبودية - يوجب عليه أن يستصغر نفسه في حضرة سيده غاية الاستصغار ، مع امتلاء قلبه من محبته ، فأي إحسان ناله منه في هذه الحالة رآه عظيما ، والواقع شاهد بهذا في حال المحب الكامل المحبة ، المستغرق في مشاهدة محبوبه إذا ناوله شيئا يسيرا ، فإنه يراه في ذلك المقام عظيما جدا ، ولا يراه غيره كذلك . القسم الثاني : يشهد الحق شهود محبة غالبة قاهرة له ، مستغرق في شهوده كذلك ، فإنه يستحلي في هذه الحال الشدة منه . لأن المحب يستحلي فعل المحبوب به . وأقل ما في هذا المشهد : أن يخف عليه حمل الشدائد ، إن لم تسمح نفسه باستحلائها ، وفي هذا من الحكايات المعروفة عند الناس ما يغني عن ذكرها ، كحال الذي كان يضرب بالسياط ولا يتحرك ، حتى ضرب آخر سوط ، فصاح صياحا شديدا ، فقيل له في ذلك ، فقال : العين التي كانت تنظر إليّ وقت الضرب كانت تمنعني من الإحساس بالألم . فلما فقدتها وجدت ألم الضرب . وهذه الحال عارضة ليست بلازمة ، فإن الطبيعة تأبى استحلاء المنافي كاستحلاء الموافق . نعم قد يقوى سلطان المحبة حتى يستحلي المحب ما يستمره غيره ، ويستخف ما يستثقله غيره ، ويأنس بما يستوحش منه الخليّ ، ويستوحش مما يأنس به ، ويستلين ما يستوعره ، وقوة هذا وضعفه بحسب قهر سلطان المحبة ، وغلبته على قلب المحب . القسم الثالث : أن يشهده تفريدا ، فإنه لا يشهد معه نعمة ولا شدة . يقول : إن شهود التفريد : يفني الرسم . وهذه حال الفناء المستغرق فيه ، الذي لا يشهد نعمة ولا بلية . فإنه يغيب بمشهوده عن شهوده له ، ويفنى به عنه . فكيف يشهد معه نعمة أو بلية ؟ كما قال بعضهم في هذا : من كانت مواهبه لا تتعدى يديه فلا واهب ولا موهوب . وذلك مقام الجمع عندهم ، وبعضهم يحرم العبارة عنه . وحقيقته : اصطلام يرفع إحساس صاحبه برسمه ، فضلا عن رسم غيره ، لاستغراقه في مشهوده وغيبته به عما سواه ، وهذا هو مطلوب القوم . وقد عرفت أن فوقه مقاما أعلى منه ، وأرفع وأجل . وهو أن يصطلم بمراده عن غيره ، فيكون في حال مشاهدته واستغراقه : منفذا لمراسيمه ومراده ، ملاحظا لما يلاحظ محبوبه من المرادات والأوامر . فتأمل الآن عبدين بين يدي ملك من ملوك الدنيا ، وهما على موقف واحد بين يديه ،