ابن قيم الجوزية

488

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

أحدهما مشغول بمشاهدته ، فإن استغراقه في ملاحظة الملك ، ليس فيه متسع إلى ملاحظة شيء من أمور الملك البتة . وآخر مشغول بملاحظة حركات الملك وكلماته ، وإيش أمره ولحظاته وخواطره ، ليرتب على كل من ذلك ما هو مراد للملك . وتأمل قصة بعض الملوك : الذي كان له غلام يخصه بإقباله عليه وإكرامه ، والحظوة عنده من بين سائر غلمانه - ولم يكن الغلام أكثرهم قيمة ، ولا أحسنهم صورة - فقالوا له في ذلك . فأراد السلطان أن يبين لهم فضل الغلام في الخدمة على غيره . فيوما من الأيام كان راكبا في بعض شؤونه . ومعه الحشم ، وبالبعد منه جبل عليه ثلج . فنظر السلطان إلى ذلك الثلج وأطرق ، فركض الغلام فرسه . ولم يعلم القوم لماذا ركض . فلم يلبث أن جاء ومعه شيء من الثلج . فقال السلطان : ما أدراك أني أريد الثلج ؟ فقال الغلام : لأنك نظرت إليه ، ونظر الملوك إلى شيء لا يكون عن غير قصد ، فقال السلطان : إنما أخصه بإكرامي وإقبالي لأن لكل واحد منكم شغلا ، وشغله مراعاة لحظاتي ، ومراقبة أحوالي ، يعني في تحصيل مرادي . وسمعت بعض الشيوخ يقول : لو قال ملك لغلامين له بين يديه ، مستغرقين في مشاهدته ، والإقبال عليه : اذهبا إلى بلاد عدوي ، فأوصلا إليهم هذه الكتب . وطالعاني بأحوالهم . وافعلا كيت وكيت . فأحدهما : مضى من ساعته لوجهه . وبادر ما أمره به ، والآخر قال : أنا لا أدع مشاهدتك ، والاستغراق فيك ، ودوام النظر إليك ، ولا أشتغل بغيرك : لكان هذا جديرا بمقت الملك له ، وبغضه إياه ، وسقوطه من عينه ، إذ هو واقف مع مجرد حظه من الملك ، لا مع مراد الملك منه ، بخلاف صاحبه الأول . وسمعته أيضا يقول : لو أن شخصين ادعيا محبة محبوب ، فحضرا بين يديه ، فأقبل أحدهما على مشاهدته والنظر إليه فقط . وأقبل الآخر على استقراء مراداته ومراضيه وأوامره ليمتثلها ، فقال لهما : ما تريدان ؟ فقال أحدهما : أريد دوام مشاهدتك ، والاستغراق في جمالك ، وقال الآخر : أريد تنفيذ أوامرك ، وتحصيل مراضيك ، فمرادي منك ما تريده أنت مني . لا ما أريده أنا منك ، والآخر قال : مرادي منك تمتعي بمشاهدتك ، أكانا عنده سواء ؟ . فمن هو الآن صاحب المحبة المعلولة المدخولة ، الناقصة النفسانية ، وصاحب المحبة الصحيحة الصادقة الكاملة ؟ أهذا أم هذا ؟ وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - يحكي عن بعض العارفين أنه قال : الناس يعبدون اللّه ، والصوفية يعبدون أنفسهم « 1 » . أراد هذا المعنى المتقدم ، وأنهم واقفون مع مرادهم من اللّه ، لا مع مراد اللّه منهم . وهذا عين عبادة النفس ، فليتأمل اللبيب هذا الموضع حق التأمل ، فإنه محكّ وميزان ، واللّه المستعان .

--> ( 1 ) نعم اللّه . إنهم إنما يتكلفون ما يتكلفون من المحالات والدعاوى التي يسمونها جذبا وشطحات ، ويلتزمون ما يلتزمون من الطقوس والرسوم التي قد تبدو شاقة ، ويحاولون منها المستحيل : بما يزعمون من فنائهم في الحقيقة الإلهية - بزعمهم - وأنها هي هم ، وهم هي : كل ذلك - وما جرهم إليه بلواحقه وسوابقه - إنما هو لتأليه أنفسهم عند العامة واتخاذهم أربابا من دون اللّه أحياء ، واتخاذ قبورهم أصناما ومغلا ومرتزقا لورثتهم بعد موتهم .