ابن قيم الجوزية
486
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
نعم لغيرهم منها بعض أركانها وأجزائها ، كالاعتراف بالنعمة ، والثناء على المنعم بها ، فإن جميع الخلق في نعم اللّه ، وكل من أقر باللّه ربّا ، وتفرده بالخلق والإحسان ، فإنه يضيف نعمته إليه ، لكن الشأن في تمام حقيقة الشكر ، وهو الاستعانة بها على مرضاته ، وقد كتبت عائشة رضي اللّه عنها إلى معاوية رضي اللّه عنه : « إن أقل ما يجب للمنعم على من أنعم عليه : أن لا يجعل ما أنعم عليه سبيلا إلى معصيته » . وقد عرف مراد الشيخ ، وهو أن هذا الشكر مشترك . وهو الاعتراف بنعمه سبحانه ، والثناء عليه بها ، والإحسان إلى خلقه منها ، وهذا بلا شك يوجب حفظها عليهم والمزيد منها ، فهذا الجزء من الشكر مشترك ، وقد تكون ثمرته في الدنيا بعاجل الثواب . وفي الآخرة : بتخفيف العقاب ، فإن النار دركات في العقوبة مختلفة . قال : « الدرجة الثانية : الشكر في المكاره ، وهذا ممن تستوي عنده الحالات : إظهارا للرضي . وممن يميز بين الأحوال : لكظم الغيظ ، وستر الشكوى . ورعاية الأدب . وسلوك مسلك العلم ، وهذا الشاكر أول من يدعى إلى الجنة » . يعني أن الشكر على المكاره : أشد وأصعب من الشكر على المحابّ ، ولهذا كان فوقه في الدرجة ، ولا يكون إلا من أحد رجلين : إما رجل لا يميز بين الحالات . بل يستوي عنده المكروه والمحبوب . فشكر هذا : إظهار منه للرضي بما نزل به ، وهذا مقام الرضى . الرجل الثاني : من يميز بين الأحوال ، فهو لا يحب المكروه ، ولا يرضى بنزوله به ، فإذا نزل به مكروه شكر اللّه تعالى عليه ، فكان شكره كظما للغيظ الذي أصابه ، وسترا للشكوى ، ورعاية منه للأدب ، وسلوكا لمسلك العلم ، فإن العلم والأدب يأمران بشكر اللّه على السراء والضراء ، فهو يسلك بهذا الشكر مسلك العلم ، لأنه شاكر للّه شكر من رضي بقضائه ، كحال الذي قبله ، فالذي قبله : أرفع منه . وإنما كان هذا الشاكر أول من يدعى إلى الجنة : لأنه قابل المكاره - التي يقابلها أكثر الناس بالجزع والسخط ، وأوساطهم بالصبر . وخاصتهم بالرضى - فقابلها هو بأعلى من ذلك كله ، وهو الشكر ، فكان أسبقهم دخولا إلى الجنة ، وأول من يدعى منهم إليها . وقسم أهل هذه الدرجة إلى قسمين : سابقين ، ومقربين ، بحسب انقسامهم إلى من يستوي عنده الحالات من المكروه والمحبوب ، فلا يؤثر أحدهما على الآخر ، بل قد فني بإيثاره ما يرضى له به ربه عما يرضاه هو لنفسه . وإلى من يؤثر المحبوب ، ولكن إذا نزل به المكروه قابله بالشكر . قال : « الدرجة الثالثة : أن لا يشهد العبد إلا المنعم . فإذا شهد المنعم عبودية : استعظم منه النعمة . وإذا شهده حبا : استحلى منه الشدة ، وإذا شهده تفريدا : لم يشهد منه نعمة ، ولا شدة » . هذه الدرجة يستغرق صاحبها بشهود المنعم عن النعمة ، فلا يتسع شهوده للمنعم ولغيره . وقسم أصحابها إلى ثلاثة أقسام : أصحاب شهود العبودية ، وأصحاب شهود الحب ، وأصحاب شهود التفريد ، وجعل لكل منهم حكما ، هو أولى به .