ابن قيم الجوزية

485

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

منه إليه ، ولا لمعاوضة ، ولا لاستعانة به ، ولا ليتكثر به من قلة ، ولا ليتعذر به من ذلّة ، ولا ليقوى به من ضعف ، سبحانه وبحمده . وأمره له بالشكر أيضا : إنعام آخر عليه ، وإحسان منه إليه ، إذ منفعة الشكر ترجع إلى العبد دنيا وآخرة ، لا إلى اللّه ، والعبد هو الذي ينتفع بشكره ، كما قال تعالى : وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ [ لقمان : 12 ] فشكر العبد إحسان منه إلى نفسه دنيا وأخرى ، فلا يذم ما أتى به من ذلك ، وإن كان لا يحسن مقابلة المنعم به ، ولا يستطيع شكره ، فإنه إنما هو محسن إلى نفسه بالشكر ، لا أنه مكافىء به لنعم الرب ، فالرب تعالى لا يستطيع أحد أن يكافىء نعمه أبدا ، ولا أقلها ، ولا أدنى نعمة من نعمه . فإنه تعالى هو المنعم المتفضل ، الخالق للشكر والشاكر ، وما يشكر عليه ، فلا يستطيع أحد أن يحصي ثناء عليه ، فإنه هو المحسن إلى عبده بنعمه ، وأحسن إليه بأن أوزعه شكرها ، فشكره نعمة من اللّه أنعم بها عليه ، تحتاج إلى شكر آخر ، وهلمّ جرا « 1 » . ومن تمام نعمته سبحانه ، وعظيم بره وكرمه وجوده : محبته له على هذا الشكر ، ورضاه منه به ، وثناؤه عليه به ، ومنفعته وفائدته مختصة بالعبد ، لا تعود منفعته على اللّه ، وهذا غاية الكرم الذي لا كرم فوقه ، ينعم عليك ثم يوزعك شكر النعمة ، ويرضى عنك ، ثم يعيد إليك منفعة شكرك ، ويجعله سببا لتوالي نعمه واتصالها إليك ، والزيادة على ذلك منها . وهذا الوجه وحده يكفي اللبيب ليتنبه به على ما بعده . وأما كون الشهود يسقط الشكر : فلعمر اللّه ، إنه إسقاط لحق المشكور بحظ الشاهد ، نعم بحظ عظيم متعلق بالحق عزّ وجلّ ، لاحظ سفلي ، متعلق بالكائنات ولكن صاحبه قد سار من حرم إلى حرم . وكان يقع لي هذا القدر منذ أزمان ، ولا أتجرأ على التصريح به ، لأن أصحابه يرون من ذكّرهم به بعين الفرق الأول ، فلا يصغون إليهم البتة ، لا سيما وقد ذاقوا حلاوته ولذته ، ورأوا تخبيط أهل الفرق الأول ، وتلوثهم بنفوسهم وعوالمها ، وانضاف إلى ذلك : أن جعلوه غاية ، فتركب من هذه الأمور ما تركب . وإذا لاحت الحقائق فليقل القائل ما شاء . درجات الشكر قال : « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : الشكر على المحابّ . وهذا شكر تشاركت فيه المسلمون واليهود والنصارى والمجوس . ومن سعة رحمة الباري سبحانه : أن عدّه شكرا . ووعد عليه الزيادة ، وأوجب فيه المثوبة » . إذا علمت حقيقة « الشكر » وأن جزء حقيقته : الاستعانة بنعم المنعم على طاعته ومرضاته : علمت اختصاص أهل الإسلام بهذه الدرجة . وأن حقيقة الشكر على المحابّ ليست لغيرهم .

--> ( 1 ) وتحقيق ذلك : أن الشكر - على ما بدأ الشيخ ابن القيم من شرح معناه اللغوي - إنما هو تلقي العبد للنعمة بالقبول الحسن ، وأخذها باليقظة والبصيرة النيرة ليعرف حقيقتها وصفتها ومزيتها . فيحرص على أن يضعها من نفسه ، وفي الواقع ، موضعها ، لينال النفع والخير الذي جعله له فيها ربه العليم الحكيم . فتظهر آثارها على ظاهره وباطنه .