ابن قيم الجوزية

482

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

بها ، والثناء عليه بها ، والخضوع له ومحبته ، والعمل بما يرضيه فيها ، لكن لما كان معرفتها ركن الشكر الأعظم ، الذي يستحيل وجود الشكر بدونه : جعل أحدهما اسما للآخر . قوله : « لأنه السبيل إلى معرفة المنعم » . يعني أنه إذا عرف النعمة توصل بمعرفتها إلى معرفة المنعم بها . وهذا من جهة معرفة كونها نعمة ، لا من أي جهة عرفها بها ، ومتى عرف المنعم أحبه ، وجدّ في طلبه ، فإن من عرف اللّه أحبه لا محالة ، ومن عرف الدنيا أبغضها لا محالة . وعلى هذا : يكون قوله : « الشكر اسم لمعرفة النعمة » مستلزما لمعرفة المنعم ، ومعرفته تستلزم محبته ، ومحبته تستلزم شكره . فيكون قد ذكر بعض أقسام الشكر باللفظ ، ونبه على سائرها باللزوم ، وهذا من أحسن اختصاره ، وكمال معرفته وتصوره ، قدس اللّه روحه . قال : « ومعاني الشكر ثلاثة أشياء : معرفة النعمة ، ثم قبول النعمة ، ثم الثناء بها ، وهو أيضا من سبل العامة » . أما معرفتها : فهو إحضارها في الذهن ، ومشاهدتها وتمييزها . فمعرفتها : تحصيلها ذهنا ، كما حصلت له خارجا ، إذ كثير من الناس تحسن إليه وهو لا يدري ، فلا يصح من هذا الشكر . قوله : « ثم قبول النعمة » . قبولها : هو تلقيها من المنعم بإظهار الفقر والفاقة إليها . وأن وصولها إليه بغير استحقاق منه ، ولا بذل ثمن ، بل يرى نفسه فيها كالطفيلي ، فإن هذا شاهد بقبولها حقيقة . قوله : « ثم الثناء بها » . الثناء على المنعم ، المتعلق بالنعمة نوعان : عام ، وخاص . فالعام : وصفه بالجود والكرم ، والبر والإحسان ، وسعة العطاء ، ونحو ذلك . والخاص : التحدث بنعمته ، والإخبار بوصولها إليه من جهته . كما قال تعالى : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ( 11 ) [ الضّحى : 11 ] . وفي هذا التحدث المأمور به قولان : أحدهما : أنه ذكر النعمة ، والإخبار بها . وقوله : أنعم اللّه عليّ بكذا وكذا ، قال مقاتل : يعني اشكر ما ذكر من النعم عليك في هذه السورة : من جبر اليتم ، والهدى بعد الضلال ، والإغناء بعد العيلة . والتحدث بنعمة اللّه شكر : كما في حديث جابر مرفوعا : « من صنع إليه معروف فليجز به . فإن لم يجد ما يجزي به فليثن . فإنه إذا أثنى عليه فقد شكره ، وإن كتمه فقد كفره ، ومن تحلّى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور » . فذكر أقسام الخلق الثلاثة : شاكر النعمة المثني بها ، والجاحد لها والكاتم لها ، والمظهر أنه من أهلها ، وليس من أهلها ، فهو متحلّ بما لم يعطه .