ابن قيم الجوزية
483
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وفي أثر آخر مرفوع : « من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ، ومن لم يشكر الناس لم يشكر اللّه ، والتحدث بنعمة اللّه شكر ، وتركه كفر ، والجماعة رحمة ، والفرقة عذاب » . والقول الثاني : إن التحدث بالنعمة المأمور به في هذه الآية : هو الدعوة إلى اللّه ، وتبليغ رسالته ، وتعليم الأمة ، قال مجاهد : هي النبوة ، قال الزجاج : أي بلّغ ما أرسلت به ، وحدث بالنبوة التي آتاك اللّه ، وقال الكلبي : هو القرآن ، أمره أن يقرأه . والصواب : أنه يعم النوعين ، إذ كل منهما نعمة مأمور بشكرها والتحدث بها ، وإظهارها من شكرها . قوله : « وهو أيضا من سبل العامة » . يا ليت الشيخ صان كتابه عن هذا التعليل ، إذ جعل نصف الإسلام والإيمان من أضعف السبل . بل « الشكر » سبيل رسل اللّه وأنبيائه عليهم السلام أجمعين - أخصّ خلقه ، وأقربهم إليه . ويا عجبا ! أي مقام أرفع من « الشكر » الذي يندرج فيه جميع مقامات الإيمان ، حتى المحبة والرضى ، والتوكل وغيرها ؟ فإن « الشكر » لا يصح إلا بعد حصولها . وتاللّه ليس لخواص أولياء اللّه ، وأهل القرب منه سبيل أرفع من « الشكر » ولا أعلى ، ولكن الشيخ - وأصحاب الفناء كلهم - يرون أن فوق هذا مقاما أجلّ منه وأعلى . لأن « الشكر » عندهم يتضمن نوع دعوى . وأنه شكر الحق على إنعامه ، ففي الشاكر بقية من بقايا رسمه ، لم يتخلص عنها ، ويفرغ منها ، فلو فني عنها - بتحققه أن الحق سبحانه هو الذي شكر نفسه بنفسه ، وأن من لم يكن كيف يشكر من لم يزل - علم أن الشكر من منازل العامة . ولو أن السلطان كسا عبدا من عبيده ثوبا من ثيابه . فأخذ يشكر السلطان على ذلك : لعدّ مخطئا ، مسيئا للأدب ، فإنه مدّع بذلك مكافأة السلطان بشكره ، فإن الشكر مكافأة ، والعبد أصغر قدرا من المكافأة ، والشهود للحقيقة يقتضي اتحاد نسبة الأخذ والعطاء ، ورجوعها إلى وصف المعطي وقوته ، فالخاصة يسقط عندهم الشكر بالشهود ، وفي حقهم ما هو أعلى منه . هذا غاية تقرير كلامهم ، وكسوته أحسن عبارة ، لئلا يتعدى عليهم بسوء التعبير الموجب للتنفير . ونحن معنا العصمة النافعة : أن كل أحد - غير المعصوم صلى اللّه عليه وسلم - فمأخوذ من قوله ومتروك ، وكل سبيل لا يوافق سبيله فمهجور غير مسلوك . فأما تضمن « الشكر » لنوع دعوى ، فإن أريد بهذه الدعوى إضافة العبد الفعل إلى نفسه ، وأنه كان به وغاب بذلك عن كونه بحول اللّه وقوته ، ومنته على عبده : فلعمر اللّه هذه علة مؤثرة ، ودعوى باطلة كاذبة . وإن أريد : أن شهوده لشكره شهوده لنعمة اللّه عليه به ، وتوفيقه له فيه ، وإذنه له به ، ومشيئته عليه ومنته . فشهد عبوديته وقيامه بها ، وكونها باللّه فأي دعوى في هذا ؟ وأي علة ؟ . نعم غايته : أنه لا يجامع الفناء ، ولا يخوض تياره ، فكان ماذا ؟ . فأنتم جعلتم الفناء غاية ، فأوجب لكم ما أوجب ، وقدمتموه على ما قدمه اللّه ورسوله ،