ابن قيم الجوزية

481

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وقيل : الشكر التلذذ بثنائه ، على ما لم تستوجب من عطائه . وقال الجنيد - وقد سأله سري عن الشكر ، وهو صبي ؟ - الشكر : أن لا يستعان بشيء من نعم اللّه على معاصيه ، فقال : من أين لك هذا ؟ قال : من مجالستك . وقيل : من قصرت يداه عن المكافآت فليطل لسانه بالشكر . والشكر معه المزيد أبدا . لقوله تعالى : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [ إبراهيم : 7 ] فمتى لم تر حالك في مزيد ، فاستقبل الشكر . وفي أثر إلهي : يقول اللّه عزّ وجلّ : « أهل ذكري أهل مجالستي ، وأهل شكري أهل زيادتي ، وأهل طاعتي أهل كرامتي ، وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي . إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب ، لأطهرهم من المعايب » . وقيل : من كتم النعمة فقد كفرها . ومن أظهرها ونشرها فقد شكرها . وهذا مأخوذ من قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه إذا أنعم على عبد بنعمة أحب أن يرى أثر نعمته على عبده » . وفي هذا قيل : ومن الرزية : أن شكري صامت * عما فعلت وأن برّك ناطق وأرى الصنيعة منك ثم أسرّها * إني إذا لندى الكريم لسارق الفرق بين الحمد والشكر وتكلم الناس في الفرق بين « الحمد » و « الشكر » أيهما أعلى وأفضل ؟ وفي الحديث « الحمد رأس الشكر ، فمن لم يحمد اللّه لم يشكره » . والفرق بينهما : أن « الشكر » أعم من جهة أنواعه وأسبابه ، وأخص من جهة متعلقاته ، و « الحمد » أعم من جهة المتعلقات ، وأخص من جهة الأسباب . ومعنى هذا : أن الشكر يكون : بالقلب خضوعا واستكانة ، وباللسان ثناء واعترافا ، وبالجوارح طاعة وانقيادا ، ومتعلقه : النعم ، دون الأوصاف الذاتية ، فلا يقال : شكرنا اللّه على حياته وسمعه وبصره وعلمه ، وهو المحمود عليها ، كما هو محمود على إحسانه وعدله ، والشكر يكون على الإحسان والنعم . فكل ما يتعلق به الشكر يتعلق به الحمد من غير عكس وكل ما يقع به الحمد يقع به الشكر من غير عكس ، فإن الشكر يقع بالجوارح ، والحمد يقع بالقلب واللسان . تعريف الشكر قال صاحب المنازل . « الشكر : اسم لمعرفة النعمة ، لأنها السبيل إلى معرفة المنعم . ولهذا سمى اللّه تعالى الإسلام والإيمان في القرآن : شكرا » . فمعرفة النعمة : ركن من أركان الشكر ، لا أنها جملة الشكر ، كما تقدم : أنه الاعتراف