ابن قيم الجوزية

472

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

قال : « الشرط الثالث : الخلاص من المسألة للخلق والإلحاح » . وذلك : لأن المسألة : فيها ضرب من الخصومة ، والمنازعة والمحاربة ، والرجوع عن مالك الضر والنفع إلى من لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا إلا بربه ، وفيها الغيبة عن المعطي المانع . والإلحاح ينافي حال الرضى ووصفه . وقد أثنى اللّه سبحانه على الذين لا يسألون الناس إلحافا . فقال تعالى : يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً [ البقرة : 273 ] . فقالت طائفة : يسألون الناس ما تدعو حاجتهم إلى سؤاله . ولكن لا يلحفون ، فنفى اللّه عنهم سؤال الإلحاف ، لا مطلق السؤال . قال ابن عباس : إذا كان عنده غداء لم يسأل عشاء . وإذا كان عنده عشاء لم يسأل غداء . وقالت طائفة - منهم الزجاج ، والفراء وغيرهما - بل الآية اقتضت ترك السؤال مطلقا . لأنهم وصفوا بالتعفف ، والمعرفة بسيماهم ، دون الإفصاح بالمسألة . لأنهم لو أفصحوا بالسؤال لم يحسبهم الجاهل أغنياء . ثم اختلفوا في وجه قوله تعالى : « لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً [ البقرة : 273 ] » . فقال الزجاج : المعنى لا يكون منهم سؤال ، فيقع إلحاف . كما قال تعالى : « فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ ( 48 ) [ المدّثّر : 48 ] أي لا تكون شفاعة فتنفع . وكما في قوله : وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ [ البقرة : 123 ] أي لا يكون عدل فيقبل ، ونظائره . قال امرؤ القيس : على لاحب لا يهتدى لمناره « 1 » أي ليس له منار يهتدى به . قال ابن الأنباري ، وتأويل الآية : لا يسألون البتة . فيخرجهم السؤال في بعض الأوقات إلى الإلحاف ، فيجري هذا مجرى قولك : فلان لا يرجى خيره . أي ليس له خير فيرجى . وقال أبو علي : لم يثبت في هذه الآية مسألة منهم . لأن المعنى : ليس منهم مسألة ، فيكون منهم إلحاف . قال : ومثل ذلك قول الشاعر : لا يفزع الأرنب أهوالها * ولا ترى الضّبّ بها ينجحر أي ليس بها أرنب فتفزع لهولها ، ولا ضب فينجحر . وقال الفراء : نفى الإلحاف عنهم . وهو يريد نفي جميع السؤال . و « المسألة » في الأصل حرام . وإنما أبيحت للحاجة والضرورة . لأنها ظلم في حق الربوبية . وظلم في حق المسؤول . وظلم في حق السائل . أما الأول : فلأنه بذل سؤاله وفقره وذلّه واستعطاءه لغير اللّه . وذلك نوع عبودية . فوضع المسألة في غير موضعها ، وأنزلها بغير أهلها ، وظلم توحيده وإخلاصه ، وفقره إلى اللّه ، وتوكله

--> ( 1 ) اللاحب : الطريق الواسع الواضح .