ابن قيم الجوزية

473

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

عليه ورضاه بقسمه . واستغنى بسؤال الناس عن مسألة رب الناس ، وذلك كله يهضم من حق التوحيد ، ويطفئ نوره ويضعف قوته . وأما ظلمه للمسؤول : فلأنه سأله ما ليس عنده . فأوجب له بسؤاله عليه حقا لم يكن له عليه . وعرضه لمشقة البذل ، أو لوم المنع . فإن أعطاه أعطاه على كراهة . وإن منعه منعه على استحياء وإغماض ، هذا إذا سأله ما ليس عليه ، وأما إذا سأله حقا هو له عنده : فلم يدخل في ذلك ، ولم يظلمه بسؤاله . وأما ظلمه لنفسه : فإنه أراق ماء وجهه ، وذلّ لغير خالقه ، وأنزل نفسه أدنى المنزلتين ، ورضي لها بأبخس الحالتين ، ورضي بإسقاط شرف نفسه ، وعزة تعففه ، وراحة قناعته ، وباع صبره ورضاه وتوكله ، وقناعته بما قسم له ، واستغناءه عن الناس بسؤالهم ، وهذا عين ظلمه لنفسه ، إذ وضعها في غير موضعها ، وأخمل شرفها ، ووضع قدرها ، وأذهب عزها ، وصغّرها وحقرها ، ورضي أن تكون نفسه تحت نفس المسؤول ، ويده تحت يده ، ولولا الضرورة لم يبح ذلك في الشرع . وقد ثبت في « الصحيحين » من حديث عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم » . وفي « صحيح مسلم » عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من سأل الناس أموالهم تكثّرا ، فإنما يسأل جمرا ، فليستقل أو ليستكثر » . وفي « الصحيحين » عن أبي هريرة رضي اللّه عنه : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « والذي نفسي بيده ، لأن يأخذ أحدكم حبله . فيحتطب على ظهره ، فيتصدق به على الناس ، خير له من أن يأتي رجلا فيسأله ، أعطاه أو منعه » . وفي « صحيح مسلم » عنه أيضا قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لأن يغدو أحدكم ، فيحتطب على ظهره ، فيتصدق به ، ويستغني به عن الناس : خير له من أن يسأل رجلا ، أعطاه أو منعه . ذلك بأن اليد العليا خير من اليد السفلى . وابدأ بمن تعول » زاد الإمام أحمد « ولأن يأخذ ترابا فيجعله في فيه : خير له من أن يجعل في فيه ما حرّم اللّه عليه » . وفي « صحيح البخاري » عن الزبير بن العوام رضي اللّه عنه ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لأن يأخذ أحدكم حبله . فيأتي بحزمة من الحطب على ظهره ، فيبيعها . فيكفّ اللّه بها وجهه : خير له من أن يسأل الناس ، أعطوه أو منعوه » . وفي « الصحيحين » عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه : « أن ناسا من الأنصار سألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فأعطاهم ، ثم سألوه فأعطاهم ، ثم سألوه فأعطاهم . حتى نفد ما عنده . فقال لهم - حين أنفق كل شيء بيده - : ما يكون عندي من خير فلن أدّخره عنكم . ومن يستعفف يعفّه اللّه ، ومن يستغن يغنه اللّه ، ومن يتصبر يصبّره اللّه ، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر » . وعن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال - وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف والمسألة - « اليد العليا خير من اليد السفلى . فاليد العليا : هي المنفقة . واليد السفلى : هي السائلة » رواه البخاري ومسلم .