ابن قيم الجوزية
471
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
بقي النظر في مقامي الآخرين : أيهما أعلى ؟ فرجحت طائفة مقام من أحب الموت . لأنه في مقام الشوق إلى لقاء اللّه ومحبة لقائه . ومن أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه . ورجحت طائفة مقام مريد البقاء لتنفيذ أوامر الرب تعالى . واحتجوا بأن الأول محب لحظه من اللّه . وهذا محب لمراد اللّه منه . لم يشبع منه ، ولم يقض منه وطرا . قالوا : وهذا حال موسى عليه السلام حين لطم وجه ملك الموت ففقأ عينه ، لا محبة للدنيا ، ولكن لينفذ أوامر ربه . ومراضيه في الناس ، فكأنه قال : أنت عبده ، وأنا عبده . وأنت في طاعته . وأنا في طاعته وتنفيذ أوامره . وحينئذ فنقول في الوجه الثاني والستين : إن حال الراضي المسلّم ينتظم حاليهما جميعا ، مع زيادة التسليم ، وترك الاختيار . فإنه قد غاب بمراد ربه منه - من إحيائه وإماتته - عن مراده هو من هذين الأمرين . وكل محب فهو مشتاق إلى لقاء حبيبه ، مؤثر لمراضيه . فقد أخذ بزمام كل من المقامين ، واتصل بالحالين . وقال : « أحب ذلك إليّ أحبه إليه » لا أتمنى غير رضاه . ولا أتخير عليه إلا ما يحبه ويرضاه . وهذا القدر كاف في هذا الموضع . وباللّه التوفيق . فلنرجع إلى شرح كلامه . قال : « الثاني : سقوط الخصومة عن الخلق » . يعني أن « الرضى » إنما يصح بسقوط الخصومة مع الخلق ، فإن الخصومة تنافي حال الرضى . وتنافي نسبة الأشياء كلها إلى من بيده أزمة القضاء والقدر . ففي الخصومة آفات : أحدها : المنازعة التي تضاد الرضى . الثاني : نقص التوحيد بنسبة ما يخاصم فيه إلى عبد دون الخالق لكل شيء . الثالث : نسيان الموجب والسبب الذي جرّ إلى الخصومة . فلو رجع العبد إلى السبب والموجب لكان اشتغاله بدفعه أجدى عليه ، وأنفع له من خصومة من جرى على يديه . فإنه - وإن كان ظالما - فهو الذي سلطه على نفسه بظلمه . قال اللّه تعالى : أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [ آل عمران : 165 ] فأخبر أن أذى عدوهم لهم ، وغلبتهم لهم : إنما هو بسبب ظلمهم . وقال اللّه تعالى : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ( 30 ) [ الشّورى : 30 ] . فإذا اجتمعت بصيرة العبد على مشاهد القدر والتوحيد والحكمة والعدل : انسد عنه باب خصومة الخلق ، إلا فيما كان حقا للّه ورسوله . فالراضي لا يخاصم ولا يعاتب إلا فيما يتعلق بحق اللّه . وهذه كانت حال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فإنه لم يكن يخاصم أحدا ولا يعاتبه إلا فيما يتعلق بحق اللّه . كما أنه كان لا يغضب لنفسه . فإذا انتهكت محارم اللّه لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم للّه . فالمخاصمة لحظ النفس تطفئ نور الرضى ، وتذهب بهجته . وتبدل بالمرارة حلاوته . وتكدر صفوه .