ابن قيم الجوزية

460

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

الرابع والثلاثون : أن الرضى يخلص العبد من مخاصمة الرب تعالى في أحكامه وأقضيته . فإن السخط عليه مخاصمة له فيما لم يرض به العبد . وأصل مخاصمة إبليس لربه : من عدم رضاه بأقضيته وأحكامه الدينية والكونية . فلو رضي لم يمسخ من الحقيقة الملكية « 1 » إلى الحقيقة الشيطانية الإبليسية . الخامس والثلاثون : أن جميع ما في الكون أوجبته مشيئة اللّه ، وحكمته ، وملكه . فهو موجب أسمائه وصفاته . فمن لم يرض بما رضي به ربه ، لم يرض بأسمائه وصفاته . فلم يرض به ربا . السادس والثلاثون : أن كل قدر يكرهه العبد ولا يلائمه . لا يخلو : إما أن يكون عقوبة على الذنب . فهو دواء لمرض . لولا تدارك الحكيم إياه بالدواء لترامى به المرض إلى الهلاك . أو يكون سببا لنعمة لا تنال إلا بذلك المكروه . فالمكروه ينقطع ويتلاشى . وما يترتب عليه من النعمة دائم لا ينقطع . فإذا شهد العبد هذين الأمرين انفتح له باب الرضى عن ربه في كل ما يقتضيه له ويقدره . السابع والثلاثون : أن حكم الرب تعالى ماض في عبده ، وقضاؤه عدل فيه . كما في الحديث : « ماض فيّ حكمك ، عدل فيّ قضاؤك » ومن لم يرض بالعدل فهو من أهل الظلم والجور . وقوله : « عدل فيّ قضاؤك » يعم قضاء الذنب ، وقضاء أثره وعقوبته . فإن الأمرين من قضائه عزّ وجلّ . وهو أعدل العادلين في قضائه بالذنب ، وفي قضائه بعقوبته . أما عدله في العقوبة : فظاهر ، وأما عدله في قضائه بالذنب : فلأن الذنب عقوبة على غفلته عن ربه ، وإعراض قلبه عنه . فإنه إذا غفل قلبه عن ربه ووليه ، ونقص إخلاصه : استحق أن يضرب بهذه العقوبة . لأن قلوب الغافلين معدن الذنوب . والعقوبات واردة عليها من كل جهة ، وإلا فمع كمال الإخلاص والذكر والإقبال على اللّه سبحانه وتعالى وذكره ، يستحيل صدور الذنب . كما قال تعالى : كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ [ يوسف : 24 ] . فإن قلت : قضاؤه على عبده بإعراضه عنه ، ونسيانه إياه ، وعدم إخلاصه : عقوبة على ماذا ؟ قلت : هذا طبع النفس وشأنها ، فهو سبحانه إذا لم يرد الخير بعبده خلّى بينه وبين نفسه وطبعه وهواه . وذلك يقتضي أثرها من الغفلة والنسيان ، وعدم الإخلاص واتباع الهوى . وهذه الأسباب تقتضي آثارها من الآلام ، وفوات الخيرات واللذات . كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها وآثارها « 2 » .

--> ( 1 ) قد وصف اللّه الملائكة بأنهم في أصل خلقهم وطبيعتهم لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ فكيف - مع ذلك - كان إبليس ملكا ؟ . ( 2 ) تدبر قول اللّه تعالى : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ( 7 ) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ( 8 ) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 9 ) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ( 10 ) [ الشمس : 7 - 10 ] وقوله : بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ( 14 ) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ ( 15 ) [ القيامة : 14 ، 15 ] وقوله : إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً ( 2 ) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ( 3 ) [ الدهر : 2 ، 3 ] وقوله : وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ ( 10 ) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ ( 11 ) [ الملك : 10 ، 11 ] وقوله : أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى -