ابن قيم الجوزية
461
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
فإن قلت : فهلّا خلقه على غير تلك الصفة ؟ قلت : هذا سؤال فاسد ، ومضمونه : هلّا خلقه ملكا لا إنسانا ؟ . فإن قلت : فهلّا أعطاه التوفيق الذي يتخلص به من شر نفسه ، وظلمة طبعه ؟ قلت : مضمون هذا السؤال : هلّا سوّى بين جميع خلقه ؟ ولم خلق المتضادات والمختلفات ؟ وهذا من أفسد الأسئلة . وقد تقدم بيان اقتضاء حكمته وربوبيته وملكه لخلق ذلك . الثامن والثلاثون : أن عدم الرضى إما أن يكون لفوات ما أخطأه مما يحبه ويريده . وإما لإصابة ما يكرهه ويسخطه . فإذا تيقن أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه . وما أصابه لم يكن ليخطئه : فلا فائدة في سخطه بعد ذلك إلا فوات ما ينفعه وحصول ما يضره . التاسع والثلاثون : أن الرضى من أعمال القلوب ، نظير الجهاد من أعمال الجوارح . فإن كل واحد منهما ذروة سنام الإيمان . قال أبو الدرداء « ذروة سنام الإيمان : الصبر للحكم ، والرضى بالقدر » . الأربعون : أن أول معصية عصي اللّه بها في هذا العالم : إنما نشأت من عدم الرضى . فإبليس لم يرض بحكم اللّه الذي حكم به كونا ، من تفضيل آدم وتكريمه ، ولا بحكمه الديني ، من أمره بالسجود لآدم . وآدم لم يرض بما أبيح له من الجنة حتى ضمّ إليه الأكل من شجرة الحمى . ثم ترتبت معاصي الذرية على عدم الصبر وعدم الرضى . الحادي والأربعون : أن الراضي واقف مع اختيار اللّه له ، معرض عن اختياره لنفسه ، وهذا من قوة معرفته بربه تعالى ، ومعرفته بنفسه .
--> - صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 22 ) [ الملك : 22 ] وقوله : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ( 172 ) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ( 173 ) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 174 ) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ( 175 ) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 176 ) ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ ( 177 ) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 178 ) وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ( 179 ) [ الأعراف : 172 - 179 ] وقوله : وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ( 12 ) وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 13 ) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 14 ) [ السجدة : 12 - 14 ] فإنك إذا تلوت هذه الآيات وغيرها - في هذا الموضوع الخطير - حق التلاوة ، وتدبرتها حق التدبر - سليم القلب من التقليد الأعمى ، والتأثر بأي مؤثر ، إلا الرغبة الصادقة في فهم مراد اللّه ، لتهدي به إلى سبيل الرشاد - إذن لفهمت أن الجميع عبيد للّه رب العالمين . وأنه ربهم يربيهم جميعا بكل ما آتاهم من النعم والآيات في أنفسهم وفي الآفاق . فمن شكر وأحسن الانتفاع ووضع النعم في مواضعها : زاده اللّه الشكور هدى ونعمة . ومن كفر فلا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا . ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا .