ابن قيم الجوزية
459
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
الثالث : من غيبته الرحمة والرّقة عن الرضى فلم يشهده ، بل فني عن الرضى . الرابع : من لا رضى عنده ولا رحمة . وإنما يكون حزنه لفوات حظه من الميت . وهذا حال أكثر الخلق . فلا إحسان ، ولا رضى عن الرحمن . واللّه المستعان . فالأول في أعلى مراتب الرضى . والثاني دونه ، والثالث دون الثاني ، والرابع هو الساخط . السادس والعشرون : أن الرضى هو اختيار ما اختاره اللّه لعبده . والسخط كراهة ما اختاره اللّه له ، وهذا نوع محادة . فلا يتخلص منه إلا بالرضى عن اللّه في جميع الحالات . السابع والعشرون : أن الرضى يخرج الهوى من القلب . فالراضي هواه تبع لمراد ربه منه . أعني المراد الذي يحبه ربه ويرضاه . فلا يجتمع الرضى واتباع الهوى في القلب أبدا ، وإن كان معه شعبة من هذا وشعبة من هذا ، فهو للغالب عليه منهما . الثامن والعشرون : أن الرضى عن اللّه في جميع الحالات يثمر للعبد رضى اللّه عنه - كما تقدم بيانه في الرضى به - فإن الجزاء من جنس العمل ، وفي أثر إسرائيلي أن موسى عليه السّلام : « سأل ربه عزّ وجلّ : ما يدني من رضاه ؟ فقال : إن رضاي في رضاك بقضائي » . التاسع والعشرون : أن الرضى بالقضاء أشق شيء على النفس ، بل هو ذبحها في الحقيقة ، فإن مخالفة هواها وطبعها وإرادتها ، ولا تصير مطمئنة قط حتى ترضى بالقضاء ، فحينئذ تستحق أن يقال لها : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ( 28 ) فَادْخُلِي فِي عِبادِي ( 29 ) وَادْخُلِي جَنَّتِي ( 30 ) [ الفجر : الآيات 27 - 30 ] . الثلاثون : أن الراضي متلقّ أوامر ربه - الدينية والقدرية - بالانشراح والتسليم ، وطيب النفس ، والاستسلام . والساخط يتلقاها بضد ذلك إلا ما وافق طبعه ، وإرادته منها . وقد بينا أن الرضى بذلك لا ينفعه ولا يثاب عليه . فإنه لم يرض به لكون اللّه قدره وقضاه وأمر به ، وإنما رضي به لموافقته هواه وطبعه . فهو إنما رضي لنفسه وعن نفسه ، لا بربه ، لا عن ربه . الحادي والثلاثون : أن المخالفات كلها أصلها من عدم الرضى . والطاعات كلها أصلها من الرضى ، وهذا إنما يعرفه حق المعرفة من عرف صفات نفسه ، وما يتولد عنها من الطاعات والمعاصي . الثاني والثلاثون : أن عدم الرضى يفتح باب البدعة ، والرضى يغلق عنه ذلك الباب . ولو تأملت بدع الروافض ، والنواصب ، والخوارج . لرأيتها ناشئة عن عدم الرضى بالحكم الكوني ، أو الديني ، أو كليهما . الثالث والثلاثون : أن الرضى معقد نظام الدين ظاهره وباطنه . فإن القضايا لا تخلو من خمسة أنواع : فتنقسم قسمين : دينية ، وكونية . وهي مأمورات ، ومنهيات ، ومباحات ، ونعم ملذّة ، وبلايا مؤلمة . فإذا استعمل العبد الرضى في ذلك كله فقد أخذ بالحظ الوافر من الإسلام ، وفاز بالقدح المعلّى .