ابن قيم الجوزية
450
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
العقاب ، وسريع الحساب ، وذي البطش الشديد ، والخافض ، والمذل » فإن هذه الأسماء والأفعال كمال . فلا بد من وجود متعلقها . ولو كان الخلق كلهم على طبيعة الملك : لم يظهر أثر هذه الأسماء والأفعال . ومنها : ظهور آثار أسمائه المتضمّنة لحلمه وعفوه ، ومغفرته وستره ، وتجاوزه عن حقه ، وعتقه لمن شاء من عبيده . فلو لا خلق ما يكره من الأسباب المفضية إلى ظهور آثار هذه الأسماء لتعطلت هذه الحكم والفوائد . وقد أشار النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى هذا بقوله : « لو لم تذنبوا لذهب اللّه بكم ، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون اللّه . فيغفر لهم » . ومنها : ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة . فإنه سبحانه « الحكيم الخبير » الذي يضع الأشياء مواضعها . وينزلها منازلها اللائقة بها . فلا يضع الشيء في غير موضعه . ولا ينزله غير منزلته ، التي يقتضيها كمال علمه وحكمته وخبرته . فلا يضع الحرمان والمنع موضع العطاء والفضل . ولا الفضل والعطاء موضع الحرمان والمنع . ولا الثواب موضع العقاب ، ولا العقاب موضع الثواب ، ولا الخفض موضع الرفع ، ولا الرفع موضع الخفض ، ولا العز مكان الذل ، ولا الذل مكان العز ، ولا يأمر بما ينبغي النهي عنه ، ولا ينهى عما ينبغي الأمر به . فهو أعلم حيث يجعل رسالته . وأعلم بمن يصلح لقبولها ، ويشكره على انتهائها إليه ووصولها . وأعلم بمن لا يصلح لذلك ولا يستأهله . وأحكم من أن يمنعها أهلها . وأن يضعها عند غير أهلها . فلو قدّر عدم الأسباب المكروهة البغيضة له لتعطّلت هذه الآثار . ولم تظهر لخلقه . ولفاتت الحكم والمصالح المترتبة عليها . وفواتها شر من حصول تلك الأسباب . فلو عطلت تلك الأسباب - لما فيها من الشر - لتعطل الخير الذي هو أعظم من الشر الذي في تلك الأسباب . وهذا كالشمس والمطر والرياح التي فيها من المصالح ما هو أضعاف ما يحصل بها من الشر والضرر . فلو قدر تعطيلها - لئلا يحصل منها ذلك الشر الجزئي - لتعطل من الخير ما هو أعظم من ذلك الشر بما لا نسبة بينه وبينه . ومنها : حصول العبودية المتنوعة التي لولا خلق إبليس لما حصلت . ولكان الحاصل بعضها ، لا كلها . فإن عبودية الجهاد من أحب أنواع العبودية إليه سبحانه . ولو كان الناس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه العبودية وتوابعها : من الموالاة فيه سبحانه ، والمعاداة فيه ، والحب فيه والبغض فيه . وبذل النفس له في محاربة عدوه ، وعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وعبودية الصبر ومخالفة الهوى ، وإيثار محاب الرب على محابّ النفس . ومنها : عبودية التوبة ، والرجوع إليه واستغفاره . فإنه سبحانه يحب التوابين . ويحب توبتهم ، فلو عطلت الأسباب التي يتاب منها لتعطلت عبودية التوبة والاستغفار منها . ومنها : عبودية مخالفة عدوه ، ومراغمته في اللّه ، وإغاظته فيه . وهي من أحب أنواع العبودية إليه . فإنه سبحانه يحب من وليه أن يغيظ عدوه ويراغمه ويسوءه . وهذه عبودية لا يتفطن لها إلا الأكياس .