ابن قيم الجوزية
451
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
ومنها : أن يتعبد له بالاستعاذة من عدوه ، وسؤاله أن يجيره منه ، ويعصمه من كيده وأذاه . ومنها : أن عبيده يشتد خوفهم وحذرهم إذا رأوا ما حلّ بعدوه بمخالفته ، وسقوطه من المرتبة الملكية « 1 » إلى المرتبة الشيطانية . فلا يخلدون إلى غرور الأمل بعد ذلك . ومنها : أنهم ينالون ثواب مخالفته ومعاداته ، الذي حصوله مشروط بالمعاداة والمخالفة . فأكثر عبادات القلوب والجوارح مرتبة على مخالفته . ومنها : أن نفس اتخاذه عدوا من أكبر أنواع العبودية وأجلها . قال اللّه تعالى : إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [ فاطر : 6 ] فاتخاذه عدوا أنفع شيء للعبد . وهو محبوب للرب . ومنها : أن الطبيعة البشرية مشتملة على الخير والشر ، والطيب والخبيث . وذلك كامن فيها كمون النار في الزناد . فخلق الشيطان مستخرجا لما في طبائع أهل الشر من القوة إلى الفعل . وأرسلت الرسل تستخرج ما في طبيعة أهل الخير من القوة إلى الفعل . فاستخرج أحكم الحاكمين ما في قوى هؤلاء من الخير الكامن فيها ، ليترتب عليه آثاره ، وما في قوى أولئك من الشر ، ليترتب عليه آثاره . وتظهر حكمته في الفريقين . وينفذ حكمه فيهما . ويظهر ما كان معلوما مطابقا له لعلمه السابق . وهذا هو السؤال الذي سألته ملائكته حين قالوا : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 30 ] فظنت الملائكة أن وجود من يسبح بحمده ويطيعه ويعبده أولى من وجود من يعصيه ويخالفه . فأجابهم سبحانه بأنه يعلم من الحكم والمصالح والغايات المحمودة في خلق هذا النوع ما لا تعلمه الملائكة . ومنها : أن ظهور كثير من آياته وعجائب صنعه : حصل بسبب وقوع الكفر والشر من النفوس الكافرة الظالمة ، كآية الطوفان ، وآية الريح ، وآية إهلاك ثمود وقوم لوط ، وآية انقلاب النار على إبراهيم بردا وسلاما ، والآيات التي أجراها اللّه تعالى على يد موسى ، وغير ذلك من آياته التي يقول سبحانه عقيب ذكر كل آية منها في سورة الشعراء : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 103 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 104 ) [ الشّعراء : 103 ، 104 ] فلو لا كفر الكافرين ، وعناد الجاحدين ، لما ظهرت هذه الآيات الباهرة ، التي يتحدث بها الناس جيلا بعد جيل إلى الأبد . ومنها : أن خلق الأسباب المتقابلة التي يقهر بعضها بعضا ، ويكسر بعضها بعضا : هو من شأن كمال الربوبية ، والقدرة النافذة ، والحكمة التامة ، والملك الكامل - وإن كان شأن الربوبية كاملا في نفسه ، ولو لم تخلق هذه الأسباب - لكن خلقها من لوازم كماله وملكه ، وقدرته وحكمته . فظهور تأثيرها وأحكامها في عالم الشهادة : تحقيق لذلك الكمال ، وموجب من موجباته . فتعمير مراتب الغيب والشهادة بأحكام الصفات من آثار الكمال الإلهي المطلق بجميع وجوهه وأقسامه وغاياته . وبالجملة : فالعبودية والآيات والعجائب التي ترتبت على خلق ما لا يحبه ولا يرضاه وتقديره ومشيئته : أحب إليه سبحانه وتعالى من فواتها ، وتعطيلها بتعطيل أسبابها .
--> ( 1 ) وأين الدليل على أنه كان ملكا ؟ .