ابن قيم الجوزية

429

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وقال ابن عيينة في قوله تعالى : وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا [ السّجدة : 24 ] قال : « أخذوا برأس الأمر فجعلهم رؤساء » . وقيل : صبر العابدين ، أحسنه : أن يكون محفوظا ، وصبر المحبين ، أحسنه : أن يكون مرفوضا . كما قيل : تبيّن يوم البين أن اعتزامه * على الصبر : من إحدى الظّنون الكواذب والشكوى إلى اللّه عزّ وجلّ لا تنافي الصبر . فإن يعقوب - عليه السلام - وعد بالصبر الجميل . والنبي إذا وعد لا يخلف ، ثم قال : إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [ يوسف : 86 ] وكذلك أيوب أخبر اللّه عنه : أنه وجده صابرا مع قوله : مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [ الأنبياء : 83 ] . وإنما ينافي الصبر شكوى اللّه ، لا الشكوى إلى اللّه . كما رأى بعضهم رجلا يشكو إلى آخر فاقة وضرورة . فقال : يا هذا ، تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك ؟ ثم أنشد : وإذا عرتك بليّة فاصبر لها * صبر الكريم فإنه بك أعلم وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما * تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم تعريف آخر للصبر قال صاحب المنازل : « الصبر : حبس النفس على المكروه . وعقل اللسان عن الشكوى . وهو من أصعب المنازل على العامة . وأوحشها في طريق المحبة . وأنكرها في طريق التوحيد » . وإنما كان صعبا على العامة : لأن العامي مبتدىء في الطريق . وما له دربة في السلوك ولا تهذيب المرتاض بقطع المنازل . فإذا أصابته المحن أدركه الجزع وصعب عليه احتمال البلاء . وعزّ عليه وجدان الصبر . لأنه ليس من أهل الرياضة . فيكون مستوطنا للصبر . ولا من أهل المحبة ، فيلتذ بالبلاء في رضى محبوبه . وأما كونه وحشة في طريق المحبة : فلأنها تقتضي التذاذ المحب بامتحان محبوبه له . والصبر يقتضي كراهيته لذلك . وحبس نفسه عليه كرها . فهو وحشة في طريق المحبة . وفي الوحشة نكتة لطيفة . لأن الالتذاذ بالمحنة في المحبة هو من موجبات أنس القلب بالمحبوب . فإذا أحس بالألم - بحيث يحتاج إلى الصبر - انتقل من الأنس إلى الوحشة . ولولا الوحشة لما أحس بالألم المستدعي للصبر . وإنما كان أنكرها في طريق التوحيد : لأن فيه قوة الدعوى . لأن الصابر يدّعي بحاله قوة الثبات . وذلك ادعاء منه لنفسه قوة عظيمة . وهذا مصادمة لتجريد التوحيد . إذ ليس لأحد قوة البتة . بل للّه القوة جميعا . ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . فهذا سبب كون الصبر منكرا في طريق التوحيد . بل من أنكر المنكر - كما قال - لأن التوحيد يرد الأشياء إلى اللّه ، والصبر يرد الأشياء إلى النفس . وإثبات النفس في التوحيد منكر . هذا حاصل كلامه محرّرا مقرّرا . وهو من منكر كلامه .