ابن قيم الجوزية
430
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
بل الصبر من آكد المنازل في طريق المحبة ، وألزمها للمحبين . وهم أحوج إلى منزلته من كل منزلة . وهو من أعرف المنازل في طريق التوحيد وأبينها . وحاجة المحب إليه ضرورية . فإن قيل : كيف تكون حاجة المحب إليه ضرورية ، مع منافاته لكمال المحبة . فإنه لا يكون إلا مع منازعات النفس لمراد المحبوب ؟ . قيل : هذه هي النكتة التي لأجلها كان من آكد المنازل في طريق المحبة وأعلقها بها . وبه يعلم صحيح المحبة من معلولها ، وصادقها من كاذبها . فإن بقوة الصبر على المكاره في مراد المحبوب يعلم صحة محبته . ومن ههنا كانت محبة أكثر الناس كاذبة . لأنهم كلهم ادعوا محبة اللّه تعالى . فحين امتحنهم بالمكاره انخلعوا عن حقيقة المحبة . ولم يثبت معه إلا الصابرون . فلو لا تحمل المشاق ، وتجشم المكاره بالصبر : لما ثبتت صحة محبتهم . وقد تبين بذلك أن أعظمهم محبة أشدهم صبرا . ولهذا وصف اللّه تعالى بالصبر خاصة أوليائه وأحبابه . فقال عن حبيبه أيوب : إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً [ ص : 44 ] ثم أثنى عليه . فقال : نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ ص : 44 ] . وأمر أحب الخلق إليه بالصبر لحكمه ، وأخبر أن صبره به . وأثنى على الصابرين أحسن الثناء . وضمن لهم أعظم الجزاء . وجعل أجر غيرهم محسوبا ، وأجرهم بغير حساب . وقرن الصبر بمقامات الإسلام ، والإيمان ، والإحسان - كما تقدم - فجعله قرين اليقين ، والتوكل ، والإيمان ، والأعمال ، والتقوى . وأخبر أن آياته إنما ينتفع بها أولو الصبر . وأخبر أن الصبر خير لأهله . وأن الملائكة تسلم عليهم في الجنة بصبرهم ، كما تقدم ذلك . وليس في استكراه النفوس لألم ما تصبر عليه ، وإحساسها به ، ما يقدح في محبتها ولا توحيدها . فإن إحساسها بالألم ، ونفرتها منه : أمر طبعي لها . كاقتضائها للغذاء من الطعام والشراب . وتألمها بفقده . فلوازم النفس لا سبيل إلى إعدامها أو تعطيلها بالكلية . وإلا لم تكن نفسا إنسانية . ولارتفعت المحنة . وكانت عالما آخر . و « الصبر » و « المحبة » لا يتناقضان . بل يتآخيان ويتصاحبان . والمحب صبور بلى علة الصبر في الحقيقة : المناقضة للمحبة ، المزاحمة للتوحيد - أن يكون الباعث عليه غير إرادة رضى المحبوب . بل إرادة غيره ، أو مزاحمته بإرادة غيره ، أو المراد منه لا مراده . هذه هي وحشة الصبر ونكارته . وأما من رأى صبره باللّه ، وصبره للّه ، وصبره مع اللّه ، مشاهدا أن صبره به تعالى لا بنفسه . فهذا لا تلحق محبته وحشة . ولا توحيده نكارة . ثم لو استقام له هذا لكان في نوع واحد من أنواع الصبر . وهو الصبر على المكاره . فأما الصبر على الطاعات - وهو حبس النفس عليها - وعن المخالفات - هو منع النفس منها طوعا واختيارا والتذاذا - فأي وحشة في هذا ؟ وأي نكارة فيه ؟ . فإن قيل : إذا كان يفعل ذلك طوعا ومحبة ، ورضى وإيثارا : لم يكن الحامل له على ذلك