ابن قيم الجوزية
424
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وهو واجب بإجماع الأمة . وهو نصف الإيمان . فإن الإيمان نصفان : نصف صبر ، ونصف شكر . وهو مذكور في القرآن على ستة عشر نوعا : الأول : الأمر به . نحو قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [ البقرة : 153 ] وقوله : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [ البقرة : 45 ] وقوله : اصْبِرُوا وَصابِرُوا [ آل عمران : 200 ] وقوله : وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [ النّحل : 127 ] . الثاني : النهي عن ضده كقوله : فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ [ الأحقاف : 35 ] وقوله : فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ [ الأنفال : 15 ] فإن تولية الأدبار : ترك للصبر والمصابرة . وقوله : وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ [ محمّد : 33 ] فإن إبطالها ترك الصبر على إتمامها . وقوله : وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا [ آل عمران : 139 ] فإن الوهن من عدم الصبر . الثالث : الثناء على أهله ، كقوله تعالى : الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ [ آل عمران : 17 ] الآية . وقوله : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [ البقرة : 177 ] وهو كثير في القرآن . الرابع : إيجابه سبحانه محبّته لهم . كقوله : وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [ آل عمران : 146 ] . الخامس : إيجاب معيّته لهم . وهي معية خاصة . تتضمن حفظهم ونصرهم ، وتأييدهم . ليست معية عامة . وهي معية العلم ، والإحاطة . كقوله : وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [ الأنفال : 46 ] وقوله : وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [ البقرة : 249 ] . السادس : إخباره بأن الصبر خير لأصحابه . كقوله : وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [ النّحل : 126 ] وقوله : وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ [ النّساء : 25 ] . السابع : إيجاب الجزاء لهم بأحسن أعمالهم . كقوله تعالى : وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [ النّحل : 96 ] . الثامن : إيجابه سبحانه الجزاء لهم بغير حساب . كقوله تعالى : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ الزّمر : 10 ] . التاسع : إطلاق البشرى لأهل الصبر . كقوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ( 155 ) [ البقرة : 155 ] . العاشر : ضمان النصر والمدد لهم . كقوله تعالى : بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ( 125 ) [ آل عمران : 125 ] ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « واعلم أن النصر مع الصبر » . الحادي عشر : الإخبار منه تعالى بأن أهل الصبر هم أهل العزائم . كقوله تعالى : وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 43 ) [ الشّورى : 43 ] . الثاني عشر : الإخبار أنه ما يلقّى الأعمال الصالحة وجزاءها والحظوظ العظيمة إلا أهل الصبر ، كقوله تعالى : وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ [ القصص : 80 ] وقوله : وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [ فصّلت : 35 ] .