ابن قيم الجوزية

425

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

الثالث عشر : الإخبار أنه إنما ينتفع بالآيات والعبر أهل الصبر . كقوله تعالى لموسى : أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [ إبراهيم : 5 ] . وقوله في أهل سبأ : فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [ سبإ : 19 ] وقوله في سورة الشورى : وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ ( 32 ) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 33 ) [ الشّورى : 32 ، 33 ] . الرابع عشر : الإخبار بأن الفوز المطلوب المحبوب ، والنجاة من المكروه المرهوب ، ودخول الجنة ، إنما نالوه بالصبر . كقوله تعالى : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ( 23 ) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ( 24 ) [ الرّعد : 23 - 24 ] . الخامس عشر : أنه يورث صاحبه درجة الإمامة . سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - يقول : بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين . ثم تلا قوله تعالى : وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ ( 24 ) [ السّجدة : 24 ] . السادس عشر : اقترانه بمقامات الإسلام ، والإيمان ، كما قرنه اللّه سبحانه باليقين وبالإيمان . وبالتقوى والتوكل . وبالشكر والعمل الصالح والرحمة . ولهذا كان الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، ولا إيمان لمن لا صبر له . كما أنه لا جسد لمن لا رأس له . وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه « خير عيش أدركناه بالصبر » وأخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح « أنه ضياء » وقال : « من يتصبّر يصبّره اللّه » . وفي الحديث الصحيح « عجبا لأمر المؤمن ! إن أمره كله له خير ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن . إن أصابته سرّاء شكر . فكان خيرا له . وإن أصابته ضرّاء صبر . فكان خيرا له » . وقال للمرأة السوداء التي كانت تصرع . فسألته : أن يدعو لها « إن شئت صبرت ولك الجنة . وإن شئت دعوت اللّه أن يعافيك . فقالت : إني أتكشف فادع اللّه : أن لا أتكشف . فدعا لها » . وأمر الأنصار - رضي اللّه عنهم - بأن يصبروا على الأثرة التي يلقونها بعده ، حتى يلقوه على الحوض . وأمر عند ملاقاة العدو بالصبر . وأمر بالصبر عند المصيبة . وأخبر « أنه إنما يكون عند الصّدمة الأولى » . وأمر صلى اللّه عليه وسلم المصاب بأنفع الأمور له ، وهو الصبر والاحتساب . فإن ذلك يخفف مصيبته ، ويوفّر أجره . والجزع والتسخط والتشكي يزيد في المصيبة ، ويذهب الأجر . وأخبر صلى اللّه عليه وسلم أن الصبر خير كله ، فقال : « ما أعطي أحد عطاء خيرا له وأوسع : من الصبر » . تعريف الصبر و « الصبر » في اللغة : الحبس والكفّ . ومنه : قتل فلان صبرا . إذا أمسك وحبس . ومنه قوله تعالى : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [ الكهف : 28 ] أي احبس نفسك معهم .