ابن قيم الجوزية

421

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وإما بشهوة تعارض أمر اللّه عزّ وجلّ . فالتسليم للأمر : بالتخلص منها . أو إرادة تعارض مراد اللّه من عبده ، فتعارضه إرادة تتعلق بمراد العبد من الرب . فالتسليم : بالتخلص منها . أو اعتراض يعارض حكمته في خلقه وأمره ، بأن يظن أن مقتضى الحكمة خلاف ما شرع ، وخلاف ما قضى وقدّر . فالتسليم : التخلص من هذه المنازعات كلها . وبهذا يتبين أن من أجلّ مقامات الإيمان ، وأعلى طرق الخاصة ، وأن « التسليم » هو محض الصّدّيقية ، التي هي بعد درجة النبوة ، وأن أكمل الناس تسليما : أكملهم صديقية . فلنرجع إلى شرح كلام الشيخ . فأما قوله : « تسليم ما يزاحم العقول مما سبق على الأوهام » . فيعني : أن التسليم يقتضي ما ينهى عنه العقل ويزاحمه . فإنه يقتضي التجريد عن الأسباب . والعقل يأمر بها . فصاحب « التسليم » يسلم إلى اللّه عزّ وجلّ ما هو غيب عن العبد . فإن فعله سبحانه وتعالى لا يتوقف على هذه الأسباب التي ينهى العقل عن التجرد عنها . فإذا سلم للّه لم يلتفت إلى السبب في كل ما غاب عنه . فالأوهام يسبق عليها : أن ما غاب عنها من الحكم لا يحصل إلا بالأسباب . و « التسليم » يقتضي التجرد عنها . والعقل ينهى عن ذلك . والوهم قد سبق عليه : أن الغيب موقوف عليها . فههنا أمور ستة : عقل ، ومزاحم له ، ووهم ، وسائق إليه ، وغيب ، وتسليم لهذا المزاحم . فالعقل هو الباعث له على الأسباب ، الداعي له إليها ، التي إذا خرج الرجل عنها عدّ خروجه قدحا في عقله . والمزاحم له : التجرد عنها بكمال التسليم إلى من بيده أزمّة الأمور : مواردها ومصادرها . والوهم : اعتقاده توقف حصول السعادة والنجاة ، وحصول المقدور - كائنا ما كان - عليها ، وأنه لولاها لما حصل المقدور . وهذا هو السائق إلى الوهم . والغيب : هو الحكم الذي غاب عنه . وهو فعل اللّه . والتسليم : تسليم هذا المزاحم إلى نفس الحكم . مع أن في تنزيل عبارته على هذا المعنى ، وإفراغ هذا المعنى في قوالب ألفاظه نظرا . وفيه وجه آخر : وهو أن يكون المراد : التسليم لما يبدو للعبد من معاني الغيب مما يزاحم معقوله في بادىء الرأي ، لما يسبق إلى وهمه : أن الأمر بخلافه . فيسبق على الأوهام من الغيب الذي أخبرت به شيء يزاحم معقولها . فتقع المنازعة بين حكم العقل وحكم الوهم . فإن كثيرا من الغيب قد يزاحم العقل بعض المزاحمة ، ويسبق إلى الوهم خلافه . فالتسليم : تسليم هذا المزاحم إلى وليه ، ومن هو أخبر به ، والتجرد عما يسبق إلى الوهم مما يخالفه . وهذا أولى المعنيين بكلامه إن شاء اللّه . فالأول : تسليم منازعات الأسباب لتجريد التوحيد العملي القصدي الإرادي . وهذا تجريد