ابن قيم الجوزية
422
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
منازعات الأوهام المخالفة للخبر لتجريد التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي . وهذا حقيقة التسليم . قوله : « والإذعان لما يغالب القياس ، من سير الدول والقسم » . أي الانقياد لما يقاوي عقله وقياسه ، مما جرى به حكم اللّه في الدول قديما وحديثا : من طيّ دولة ، ونشر دولة ، وإعزاز هذه وإذلال هذه ، والقسم التي قسمها على خلقه ، مع شدة تفاوتها ، وتباين مقاديرها ، وكيفياتها وأجناسها . فيذعن لحكمة اللّه في كل ذلك ، ولا يعترض على ما وقع منها بشبهة وقياس . ويحتمل أن يكون مراده ب « الدول » و « القسم » الأحوال التي تتداول على السالك ويختلف سيرها . و « القسم » التي نالته من اللّه : ما كان قياس سعيه واجتهاده أن يحصل له أكثر منها . فيذعن لما غالب قياسه منها ، ويسلم للقاسم المعطي بحكمته وعدله . فإن من عباده من لا يصلحه إلا الفقر . ولو أغناه لأفسده ذلك . ومنهم من لا يصلحه إلا الغنى . ولو أفقره لأفسده ذلك . ومنهم من لا يصلحه إلا المرض . ولو أصحه لأفسده ذلك . ومنهم من لا يصلحه إلا الصحة . ولو أمرضه لأفسده ذلك . قوله : « والإجابة لما يفزع المريد من ركوب الأحوال » . يقول : إن صاحب هذه الدرجة من قوة التسليم يهجم على الأمور المفزعة ، ولا يلتفت إليها . ولا يخاف معها من ركوب الأحوال ، واقتحام الأهوال ، لأن قوة تسليمه تحميه من خطرها . فلا ينبغي له أن يخاف . فإنه في حصن التسليم ومنعته وحمايته . واللّه سبحانه وتعالى الموفق بحوله وقوته . قال : « الدرجة الثانية : تسليم العلم إلى الحال ، والقصد إلى الكشف ، والرسم إلى الحقيقة » . « أما تسليم العلم إلى الحال » فليس المراد منه : تحكيم الحال على العلم ، حاشا الشيخ من ذلك « 1 » . وإنما أراد : الانتقال من الوقوف عند صور العلم الظاهرة إلى معانيها وحقائقها الباطنة ، وثمراتها المقصودة منها ، مثل الانتقال من محض التقليد والخبر إلى العيان واليقين . حتى كأنه يرى ويشاهد ما أخبر به الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، كما قال تعالى : وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ [ سبإ : 6 ] وقال تعالى : أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى [ الرّعد : 19 ] . وينتقل من الحجاب إلى الكشف ، فينتقل من العلم إلى اليقين ، ومن اليقين إلى عين اليقين . ومن علم الإيمان إلى ذوق طعم الإيمان ، ووجدان حلاوته . فإن هذا قدر زائد على مجرد علمه . ومن علم التوكل إلى حاله ، وأشباه ذلك . فيسلم العلم الصحيح إلى الحال الصحيح . فإن سلطان الحال أقوى من سلطان العلم . فإذا كان الحال مخالفا للعلم فهو ملك ظالم . فليخرج عليه بسيف العلم ، وليحكّمه فيه .
--> ( 1 ) الكلام واضح المعنى ، صريح في المراد . ولو سلم هذا التأويل ما كان ثم كافر ولا مشرك . والمرجع اصطلاحات الصوفية ومقاصدهم من عبارتهم . فإن لهم استعمالات خاصة بهم . ونرجو أن يكون اللّه قد ختم للهروي باتباع السنة الصحيحة .