ابن قيم الجوزية
411
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وأما ظلم السائل نفسه : فحيث امتهنها . وأقامها في مقام ذل السؤال . ورضي لها بذلّ الطلب ممن هو مثله ، أو لعل السائل خير منه وأعلى قدرا . وترك سؤال من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير . فقد أقام السائل نفسه مقام الذل ، وأهانها بذلك . ورضي أن يكون شحاذا من شحاذ مثله . فإن من تشحذه فهو أيضا شحاذ مثلك . واللّه وحده هو الغني الحميد . فسؤال المخلوق للمخلوق سؤال الفقير للفقير ، والرب تعالى كلما سألته كرمت عليه ، ورضي عنك ، وأحبك . والمخلوق كلما سألته هنت عليه وأبغضك ومقتك وقلاك ، كما قيل : اللّه يغضب إن تركت سؤاله * وبنيّ آدم حين يسأل يغضب وقبيح بالعبد المريد : أن يتعرض لسؤال العبيد . وهو يجد عند مولاه كل ما يريد . وفي « صحيح مسلم » عن عوف بن مالك الأشجعي رضي اللّه عنه . قال : « كنا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تسعة - أو ثمانية ، أو سبعة - فقال : ألا تبايعون رسول اللّه ؟ وكنا حديثي عهد ببيعة . فقلنا : قد بايعناك يا رسول اللّه . ثم قال : ألا تبايعون رسول اللّه ؟ فبسطنا أيدينا وقلنا : قد بايعناك يا رسول اللّه ، فعلام نبايعك ؟ فقال : أن تعبدوا اللّه ، ولا تشركوا به شيئا ، والصلوات الخمس - وأسرّ كلمة خفية - ولا تسألوا الناس شيئا . قال : ولقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا أن يناوله إياه » . وفي « الصحيحين » عن ابن عمر رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى اللّه وليس في وجهه مزعة لحم » . وفيهما أيضا عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال - وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف عن المسألة - « واليد العليا خير من اليد السفلى واليد العليا : هي المنفقة . والسفلى : هي السائلة » . وفي « صحيح مسلم » عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « من سأل الناس تكثرا فإنما يسأل جمرا . فليستقلّ أو ليستكثر » . وفي « الترمذي » عن سمرة بن جندب رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن المسألة كدّ يكدّ بها الرجل وجهه ، إلا أن يسأل الرجل سلطانا ، أو في الأمر الذي لا بد منه » قال الترمذي : حديث صحيح . وفيه عن ابن مسعود رضي اللّه عنه مرفوعا « من أصابته فاقة . فأنزلها بالناس لم تسدّ فاقته . ومن أنزلها باللّه فيوشك اللّه له برزق عاجل أو آجل » . وفي « السنن » و « المسند » عن ثوبان رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من تكفل لي أن لا يسأل الناس شيئا ، أتكفل له بالجنة . فقلت : أنا » فكان لا يسأل أحدا شيئا . وفي « صحيح مسلم » عن قبيصة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة : رجل تحمل حمالة . فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك . ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله . فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال : سدادا من عيش - ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه : لقد أصابت فلانا فاقة . فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال سدادا من عيش - فما سواهن من المسألة يا قبيصة فسحت يأكلها صاحبها سحتا » .