ابن قيم الجوزية
412
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
فالتوكل مع إسقاط هذا الطلب والسؤال هو محض العبودية . * * * قوله « وغض العين عن التسبب ، اجتهادا في تصحيح التوكل » . معناه : أنه يعرض عن الاشتغال بالسبب ، لتصحيح التوكل بامتحان النفس . لأن المتعاطي للسبب قد يظن أنه حصّل التوكل . ولم يحصله لثقته بمعلومه ، فإذا أعرض عن السبب صح له التوكل . وهذا الذي أشار إليه : مذهب قوم من العبّاد والسالكين . وكثير منهم كان يدخل البادية بلا زاد . ويرى حمل الزاد قدحا في التوكل . ولهم في ذلك حكايات مشهورة ، وهؤلاء في خفارة صدقهم « 1 » وإلا فدرجتهم ناقصة عن العارفين . ومع هذا فلا يمكن بشرا البتة ترك الأسباب جملة . فهذا إبراهيم الخواص كان مجردا في التوكل يدقق فيه . ويدخل البادية بغير زاد . وكان لا تفارقه الإبرة والخيط والركوة والمقراض . فقيل له : لم تحمل هذا . وأنت تمنع من كل شيء ؟ فقال : مثل هذا لا ينقص من التوكل . لأن للّه علينا فرائض . والفقير لا يكون عليه إلا ثوب واحد ، فربما تخرق ثوبه . فإذا لم يكن معه إبرة وخيوط تبدو عورته ، فتفسد عليه صلاته . وإذا لم يكن معه ركوة فسدت عليه طهارته . وإذا رأيت الفقير بلا ركوة ولا إبرة ولا خيوط فاتهمه في صلاته . أفلا تراه لم يستقم له دينه إلا بالأسباب ؟ أو ليست حركة أقدامه ونقلها في الطريق والاستدلال على أعلامها - إذا خفيت عليه - من الأسباب ؟ . فالتجرد من الأسباب جملة ممتنع عقلا وشرعا وحسا . نعم قد تعرض للصادق أحيانا قوة ثقة باللّه . وحال مع اللّه تحمله على ترك كل سبب مفروض عليه . كما تحمله على إلقاء نفسه في مواضع الهلكة . ويكون ذلك الوقت باللّه لا به . فيأتيه مدد من اللّه على مقتضى حاله . ولكن لا تدوم له هذه الحال . وليست في مقتضى الطبيعة . فإنها كانت هجمة هجمت عليه بلا استدعاء فحمل عليها ، فإذا استدعى مثلها وتكلفها لم يجب إلى ذلك . وفي تلك الحال : إذا ترك السبب يكون معذورا لقوة الوارد . وعجزه عن الاشتغال بالسبب . فيكون في وارده عون له . ويكون حاملا له . فإذا أراد تعاطي تلك الحال بدون ذلك الوارد وقع في المحال . وكل تلك الحكايات الصحيحة « 2 » التي تحكى عن القوم فهي جزئية حصلت لهم أحيانا ، ليست طريقا مأمورا بسلوكها ، ولا مقدورة ، وصارت فتنة لطائفتين .
--> ( 1 ) أو على الأصح : حماقاتهم ودعاويهم ، وتمردهم على اللّه ، واتباع أهوائهم وجاهليتهم ورهبانيتهم التي ابتدعوها . ( 2 ) اللّه أعلم بذلك . فإنما ينقلها الصوفية - أو المخدوع بهم - عن بعضهم ، ترويجا لمذهبهم وخداعا للناس . واللّه عليم بذات الصدور .