ابن قيم الجوزية

404

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

قضي لي وسبق في الأزل حصول الولد ، والشبع ، والري ، والحج ونحوها . فلا بد أن يصل إليّ ، تحركت أو سكنت ، وتزوجت أو تركت ، سافرت أو قعدت . وإن لم يكن قد قضي لي لم يحصل لي أيضا ، فعلت أو تركت سافرت أو قعدت . فهل يعد أحد هذا من جملة العقلاء ؟ وهل البهائم إلا أفقه منه ؟ فإن البهيمة تسعى في السبب بالهداية العامة . فالتوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب ، ويندفع بها المكروه . فمن أنكر الأسباب لم يستقم منه التوكل . ولكن من تمام التوكل : عدم الركون إلى الأسباب . وقطع علاقة القلب بها ، فيكون حال قلبه قيامه باللّه لا بها ، وحال بدنه قيامه بها . فالأسباب محل حكمة اللّه وأمره ودينه . والتوكل متعلق بربوبيته وقضائه وقدره ، فلا تقوم عبودية الأسباب إلا على ساق التوكل ، ولا يقوم ساق التوكل إلا على قدم العبودية ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم . الدرجة الثالثة : رسوخ القلب في مقام توحيد التوكل . فإنه لا يستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده . بل حقيقة التوكل : توحيد القلب ، فما دامت فيه علائق الشرك ، فتوكله معلول مدخول ، وعلى قدر تجريد التوحيد : تكون صحة التوكل فإن العبد متى التفت إلى غير اللّه أخذ ذلك الالتفات شعبة من شعب قلبه . فنقص من توكله على اللّه بقدر ذهاب تلك الشعبة ومن ههنا ظن من ظن أن التوكل لا يصح إلا برفض الأسباب . وهذا حق . لكن رفضها عن القلب لا عن الجوارح . فالتوكل لا يتم إلا برفض الأسباب عن القلب ، وتعلق الجوارح بها ، فيكون منقطعا منها متصلا بها ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم . الدرجة الرابعة : اعتماد القلب على اللّه ، واستناده إليه ، وسكونه إليه . بحيث لا يبقى فيه اضطراب من تشويش الأسباب ، ولا سكون إليها ، بل يخلع السكون إليها من قلبه . ويلبسه السكون إلى مسببها . وعلامة هذا : أنه لا يبالي بإقبالها وإدبارها . ولا يضطرب قلبه ، ويخفق عند إدبار ما يحب منها ، وإقبال ما يكره ، لأن اعتماده على اللّه ، وسكونه إليه ، واستناده إليه ، قد حصنه من خوفها ورجائها ، فحاله حال من خرج عليه عدو عظيم لا طاقة له به . فرأى حصنا مفتوحا ، فأدخله ربه إليه ، وأغلق عليه باب الحصن . فهو يشاهد عدوه خارج الحصن . فاضطراب قلبه وخوفه من عدوه في هذه الحال لا معنى له . وكذلك من أعطاه ملك درهما ، فسرق منه . فقال له الملك : عندي أضعافه . فلا تهتم . متى جئت إليّ أعطيتك من خزائني أضعافه ، فإذا علم صحة قول الملك ، ووثق به ، واطمأن إليه ، وعلم أن خزائنه مليئة بذلك - لم يحزنه فوته . وقد مثل ذلك بحال الطفل الرضيع في اعتماده وسكونه ، وطمأنينته بثدي أمه لا يعرف غيره ، وليس في قلبه التفات إلى غيره ، كما قال بعض العارفين : المتوكل كالطفل ، لا يعرف شيئا يأوي إليه إلا ثدي أمه ، كذلك المتوكل لا يأوي إلا إلى ربه سبحانه .