ابن قيم الجوزية

405

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

الدرجة الخامسة : حسن الظن باللّه عزّ وجلّ . فعلى قدر حسن ظنك بربك ورجائك له . يكون توكلت عليه . ولذلك فسّر بعضهم التوكل بحسن الظن باللّه . والتحقيق : أن حسن الظن به يدعوه إلى التوكل عليه ، إذ لا يتصور التوكل على من ساء ظنك به ، ولا التوكل على من لا ترجوه . واللّه أعلم . الدرجة السادسة : استسلام القلب له ، وانجذاب دواعيه كلها إليه ، وقطع منازعاته . وبهذا فسره من قال : أن يكون العبد بين يدي اللّه ، كالميت بين يدي الغاسل ، يقلبه كيف أراد ، لا يكون له حركة ولا تدبير . وهذا معنى قول بعضهم : التوكل إسقاط التدبير ، يعني الاستسلام لتدبير الرب لك . وهذا في غير باب الأمر والنهي ، بل فيما يفعله بك ، لا فيما أمرك بفعله . فالاستسلام كتسليم العبد الذليل نفسه لسيده ، وانقياده له ، وترك منازعات نفسه وإرادتها مع سيده ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم . الدرجة السابعة : التفويض . وهو روح التوكل ولبّه وحقيقته . وهو إلقاء أموره كلها إلى اللّه ، وإنزالها به طلبا واختيارا ، لا كرها واضطرارا . بل كتفويض الابن العاجز الضعيف المغلوب على أمره : كل أموره إلى أبيه ، العالم بشفقته عليه ورحمته ، وتمام كفايته ، وحسن ولايته له ، وتدبيره له . فهو يرى أن تدبير أبيه له خير من تدبيره لنفسه . وقيامه بمصالحه وتوليه لها خير من قيامه هو بمصالح نفسه وتوليه لها . فلا يجد له أصلح ولا أرفق من تفويضه أموره كلها إلى أبيه ، وراحته من حمل كلفها وثقل حملها ، مع عجزه عنها ، وجهله بوجوه المصالح فيها ، وعلمه بكمال علم من فوض إليه ، وقدرته وشفقته . فإذا وضع قدمه في هذه الدرجة . انتقل منها إلى درجة « الرضى » . وهي ثمرة التوكل . ومن فسر التوكل : بها فإنما فسره بأجلّ ثمراته ، وأعظم فوائده . فإنه إذا توكل حق التوكل رضي بما يفعله وكيله . وكان شيخنا - رضي اللّه عنه يقول : المقدور يكتنفه أمران : التوكل قبله ، والرضى بعده . فمن توكل على اللّه قبل الفعل . ورضي بالمقضي له بعد الفعل . فقد قام بالعبودية . أو معنى هذا . قلت : وهذا معنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم في دعاء الاستخارة « اللهم إني أستخيرك بعلمك . وأستقدرك بقدرتك . وأسألك من فضلك العظيم » فهذا توكل وتفويض . ثم قال : « فإنك تعلم ولا أعلم . وتقدر ولا أقدر . وأنت علام الغيوب » فهذا تبرؤ إلى اللّه من العلم والحول والقوة ، وتوسل إليه سبحانه بصفاته التي هي أحب ما توسل إليه بها المتوسلون . ثم سأل ربه أن يقضي له ذلك الأمر إن كان فيه مصلحته عاجلا ، أو آجلا ، وأن يصرفه عنه إن كان فيه مضرته عاجلا أو آجلا فهذا هو حاجته التي سألها . فلم يبق عليه إلا الرضى بما يقضيه له . فقال : « وأقدر لي الخير حيث كان ، ثم رضّني به » . فقد اشتمل هذا الدعاء على هذه المعارف الإلهية ، والحقائق الإيمانية ، التي من جملتها :