ابن قيم الجوزية

403

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

فأي توكل لمن يعتقد أن اللّه لا يعلم جزئيات العالم سفليه وعلوية ؟ ولا هو فاعل باختياره ؟ ولا له إرادة ومشيئة . ولا يقوم به صفة ؟ فكل من كان باللّه وصفاته أعلم وأعرف : كان توكّله أصح وأقوى . واللّه سبحانه وتعالى أعلم . الدرجة الثانية : إثبات في الأسباب والمسببات . فإن من نفاها فتوكله مدخول . وهذا عكس ما يظهر في بدوات الرأي : أن إثبات الأسباب يقدح في التوكل ، وأن نفيها تمام التوكل . فاعلم أن نفاة الأسباب لا يستقيم لهم توكل البتة . لأن التوكل من أقوى الأسباب في حصول المتوكل فيه . فهو كالدعاء الذي جعله اللّه سببا في حصول المدعو به . فإذا اعتقد العبد أن توكله لم ينصبه اللّه سببا . ولا جعل دعاءه سببا لنيل شيء . فإن المتوكل فيه المدعو بحصوله : إن كان قد قدّر حصل توكل أو لم يتوكل ، دعا أو لم يدع . وإن لم يقدر لم يحصل . توكل أيضا أو ترك التوكل . وصرّح هؤلاء : أن التوكل والدعاء عبودية محضة . لا فائدة لهما إلا ذلك . ولو ترك العبد التوكل والدعاء ما فاته شيء مما قدر له . ومن غلاتهم من يجعل الدعاء بعدم المؤاخذة على الخطأ والنسيان عديم الفائدة . إذ هو مضمون الحصول . ورأيت بعض متعمقي هؤلاء - في كتاب له - لا يجوز الدعاء بهذا ، وإنما يجوزه تلاوة لا دعاء . قال : لأن الدعاء به يتضمن الشك في وقوعه . لأن الداعي بين الخوف والرجاء . والشك في وقوع ذلك : شك في خبر اللّه ، فانظر إلى ما قاد إنكار الأسباب من العظائم ، وتحريم الدعاء بما أثنى اللّه على عباده وأوليائه بالدعاء به وبطلبه . ولم يزل المسلمون - من عهد نبيهم صلى اللّه عليه وسلم وإلى الآن - يدعون به في مقامات الدعاء . وهو من أفضل الدعوات . وجواب هذا الوهم الباطل ، أن يقال : بقي قسم ثالث غير ما ذكرتم من القسمين لم تذكروه . وهو الواقع . وهو أن يكون قضى بحصول الشيء عند حصول سببه من التوكل والدعاء ، فنصب الدعاء والتوكل سببين لحصول المطلوب ، وقضى اللّه بحصوله إذا فعل العبد سببه . فإذا لم يأت بالسبب امتنع المسبب ، وهذا كما قضى بحصول الولد إذا جامع الرجل من يحبلها ، فإذا لم يجامع لم يخلق الولد . وقضى بحصول الشبع إذا أكل ، والري إذا شرب ، فإذا لم يفعل لم يشبع ولم يرو . وقضى بحصول الحج والوصول إلى مكة إذا سافر وركب الطريق ، فإذا جلس في بيته لم يصل إلى مكة . وقضى بدخول الجنة إذا أسلم ، وأتى بالأعمال الصالحة ، فإذا ترك الإسلام ولم يعمل الصالحات : لم يدخلها أبدا . وقضى بإنضاج الطعام بإيقاد النار تحته . وقضى بطلوع الحبوب التي تزرع بشق الأرض ، وإلقاء البذر فيها . فما لم يأت بذلك لم يحصل إلا الخيبة . فوزان ما قاله منكرو الأسباب : أن يترك كل من هؤلاء السبب الموصل ، ويقول : إن كان