ابن قيم الجوزية

389

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وقد فسر الشيخ مراده بإخلاص العمل من العمل بقوله : « تدعه يسير سير العلم وتسير أنت مشاهدا للحكم » . ومعنى كلامه : أنك تجعل عملك تابعا للعلم ، موافقا له ، مؤتما به . تسير بسيره وتقف بوقوفه ، وتتحرك بحركته . نازلا منازله ، مرتويا من موارده . ناظرا إلى الحكم الديني الأمري متقيدا به ، فعلا وتركا وطلبا وهربا . ناظرا إلى ترتب الثواب والعقاب عليه سببا وكسبا . ومع ذلك فتسير أنت بقلبك ، مشاهدا للحكم الكوني القضائي ، الذي تنطوي فيه الأسباب والمسببات ، والحركات والسكنات . ولا يبقى هناك غير محض المشيئة ، وتفرد الرب وحده بالأفعال ، ومصدرها عن إرادته ومشيئته . فيكون قائما بالأمر والنهي : فعلا وتركا ، سائرا بسيره ، وبالقضاء والقدر : إيمانا وشهودا وحقيقة . فهو ناظر إلى الحقيقة . قائم بالشريعة . وهذان الأمران هما عبودية هاتين الآيتين : لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ( 28 ) وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 29 ) [ التّكوير : 28 ، 29 ] وقال تعالى : إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا ( 29 ) وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً ( 30 ) [ الإنسان : 29 ، 30 ] . فترك العمل يسير سير العلم : مشهد لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ( 28 ) [ التّكوير : 28 ] وسير صاحبه مشاهدا للحكم : مشهد : « وما تشاؤون إلا أن يشاء اللّه رب العالمين » . وأما قوله : « حرّا من رقّ الرسم » فالحرية التي يشيرون إليها : هي عدم الدخول تحت عبودية الخلق والنفس ، والدخول تحت رق عبودية الحق وحده . ومرادهم بالرسم : ما سوى اللّه . فكله رسوم . فإن الرسوم هي الآثار . ورسوم المنازل والديار : هي الآثار التي تبقى بعد سكانها . والمخلوقات بأسرها في منزل الحقيقة ورسوم وآثار للقدرة . أي فتخلص نفسك من عبودية كل ما سوى اللّه . وتكون بقلبك مع القادر الحق وحده . لا مع آثار قدرته التي هي رسوم . فلا تشتغل بغيره لتشغلها بعبوديته . ولا تطلب بعبوديتك له حالا ولا مقاما ، ولا مكاشفة ، ولا شيئا سواه . فهذه أربعة أمور : بذل الجهد ، وتحكيم العلم ، والنظر إلى الحقيقة ، والتخلص من الالتفات إلى غيره . واللّه الموفق المعين . « الإخلاص » عدم انقسام المطلوب . و « الصدق » عدم انقسام المطلب . فحقيقة الإخلاص : توحيد المطلوب . وحقيقة الصدق : توحيد الطلب والإرادة . ولا يثمران إلا بالاستسلام المحض للمتابعة . فهذه الأركان الثلاثة : هي أركان السير ، وأصول الطريق التي من لم يبن عليها سلوكه وسيره فهو مقطوع . وإن ظن أنه سائر ، فسيره إما إلى عكس جهة مقصوده ، وإما سير المقعد والمقيّد ، وإما سير صاحب الدابة الجموح . كلما مشت خطوة إلى قدّام رجعت عشرة إلى خلف . فإن عدم الإخلاص والمتابعة : انعكس سيره إلى خلف . وإن لم يبذل جهده ويوحّد طلبه : سار سير المقيد . وإن اجتمعت له الثلاثة : فذلك الذي لا يجارى في مضمار سيره . وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء . واللّه ذو الفضل العظيم .