ابن قيم الجوزية

390

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

منزلة التّهذيب ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « التهذيب ، والتصفية » . وهو سبك العبودية في كير الامتحان ، طلبا لإخراج ما فيها من الخبث والغش . قال صاحب « المنازل » : « التهذيب : محنة أرباب البدايات . وهو شريعة من شرائع الرياضة » . يريد : أنه صعب على المبتدي . فهو له كالمحنة . وطريقة للمرتاض الذي قد مرّن نفسه حتى اعتادت قبوله ، وانقادت إليه . درجات التهذيب قال : « وهو على ثلاث درجات . الأولى : تهذيب الخدمة ، أن لا يخالجها جهالة ، ولا يشوبها عادة ، ولا يقف عندها همة » . أي : تخليص العبودية ، وتصفيتها من هذه الأنواع الثلاثة . وهي : مخالجة الجهالة وشوب العادة ، ووقوف همة الطالب عندها . النوع الأول : مخالطة الجهال . فإن الجهالة متى خالطت العبودية ، أوردها العبد غير موردها . ووضعها في غير موضعها ، وفعلها في غير مستحقّها . وفعل أفعالا يعتقد أنها صلاح . وهي إفساد لخدمته وعبوديته ، بأن يتحرك في موضع السكون ، أو يسكن في موضع التحرك ، أو يفرق في موضع جمع ، أو يجمع في موضع فرق ، أو يطير في موضع سفوف ، أو يسفّ في موضع طيران ، أو يقدم في موضع إحجام ، أو يحجم في موضع إقدام ، أو يتقدم في موضع وقوف ، أو يقف في موضع تقدم . ونحو ذلك من الحركات ، التي هي في حق الخدمة : كحركات الثقيل البغيض في حقوق الناس . فالخدمة ما لم يصحبها علم ثان بآدابها وحقوقها ، غير العلم بها نفسها ، كانت في مظنة أن تبعد صاحبها ، وإن كان مراده بها التقرب . ولا يلزم حبوط ثوابها وأجرها « 1 » فهي إن لم تبعده عن الأجر والثواب أبعدته عن المنزلة والقربة . ولا تنفصل مسائل هذه الجملة إلا بمعرفة خاصة باللّه وأمره ، ومحبة تامة له ومعرفة بالنفس وما منها . النوع الثاني : شوب العادة . وهو أن يمازج العبودية حكم من أحكام عوائد النفس تكون منفذة لها ، معينة عليها . وصاحبها يعتقدها قربة وطاعة ، كمن اعتاد الصوم - مثلا - وتمرن عليه . فألفته النفس ، وصار لها عادة تتقاضاها أشد اقتضاء . فيظن أن هذا التقاضي محض العبودية . وإنما هو تقاضي العادة . وعلامة هذا : أنه إذا عرض عليها طاعة دون ذلك ، وأيسر منه ، وأتم مصلحة : لم تؤثرها إيثارها لما اعتادته وألفته . كما حكي عن بعض الصالحين من الصوفية قال : حججت كذا وكذا

--> ( 1 ) إن من ثواب العمل الصالح : مدد وهداية وتثبيت في عمل صالح جديد في المستقبل كما قال اللّه تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ الآية .