ابن قيم الجوزية
385
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ( 2 ) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ [ الزّمر : 2 - 3 ] وقال لنبيه صلى اللّه عليه وسلم : قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي ( 14 ) [ الزّمر : 14 ] ، فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ [ الزّمر : 15 ] وقال له : قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 162 ) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ( 163 ) [ الأنعام : 162 ، 163 ] وقال : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ الملك : 2 ] قال الفضيل ابن عياض : هو أخلصه وأصوبه . قالوا : يا أبا علي ، ما أخلصه وأصوبه ؟ فقال : إن العمل إذا كان خالصا ، ولم يكن صوابا . لم يقبل . وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا : لم يقبل ، حتى يكون خالصا صوابا ، والخالص : أن يكون للّه ، والصواب أن يكون على السنة . ثم قرأ قوله تعالى : فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [ الكهف : 110 ] وقال تعالى : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [ النّساء : 125 ] ؟ فإسلام الوجه : إخلاص القصد والعمل للّه . والإحسان فيه : متابعة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وسنته . وقال تعالى : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ( 23 ) [ الفرقان : 23 ] وهي الأعمال التي كانت على غير السنة . أو أريد بها غير وجه اللّه . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه : « إنك لن تخلّف ، فتعمل عملا تبتغي به وجه اللّه تعالى : إلا ازددت به خيرا ، ودرجة ورفعة » وفي الصحيح من حديث أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ثلاث لا يغلّ عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل للّه ، ومناصحة ولاة الأمر . ولزوم جماعة المسلمين . فإن دعوتهم تحيط من ورائهم » أي لا يبقى فيه غلّ ، ولا يحمل الغلّ مع هذه الثلاثة ، بل تنفي عنه غلّه . وتنقيه منه . وتخرجه عنه . فإن القلب يغل على الشرك أعظم غل . وكذلك يغل على الغش . وعلى خروجه عن جماعة المسلمين بالبدعة والضلالة . فهذه الثلاثة تملؤه غلا ودغلا . ودواء هذا الغل ، واستخراج أخلاطه : بتجريد الإخلاص والنصح ، ومتابعة السنة . و « سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الرجل : يقاتل رياء ، ويقاتل شجاعة . ويقاتل حمية : أي ذلك في سبيل اللّه ؟ فقال : من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه » . وأخبر عن أول ثلاثة تسعّر بهم النار : قارىء القرآن ، والمجاهد ، والمتصدق بماله ، الذين فعلوا ذلك ليقال : فلان قارىء ، فلان شجاع ، فلان متصدّق ، ولم تكن أعمالهم خالصة للّه . وفي الحديث الصحيح الإلهي يقول اللّه تعالى : « أنا أغنى الشركاء عن الشرك . من عمل عملا أشرك فيه غيري فهو للذي أشرك به . وأنا منه بريء » . وفي أثر آخر : يقول له يوم القيامة : « اذهب فخذ أجرك ممن عملت له . لا أجر لك عندنا » . وفي الصحيح عنه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه لا ينظر إلى أجسامكم ، ولا إلى صوركم . ولكن ينظر إلى قلوبكم » وقال تعالى : لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ [ الحجّ : 37 ] . وفي أثر مروي إلهي « الإخلاص : سر من سري ، استودعته قلب من أحببته من عبادي » . وقد تنوعت عبارتهم في « الإخلاص » و « الصدق » والقصد واحد . فقيل : هو إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة . وقيل : تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين .