ابن قيم الجوزية
386
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وقيل : التوقي من ملاحظة الخلق حتى عن نفسك . و « الصدق » التنقي من مطالعة النفس . فالمخلص لا رياء له ، والصادق لا إعجاب له . ولا يتم الإخلاص إلا بالصدق ، ولا الصدق إلا بالإخلاص . ولا يتمان إلا بالصبر . وقيل : من شهد في إخلاصه الإخلاص ، احتاج إخلاصه إلى إخلاص . فنقصان كل مخلص في إخلاصه : بقدر رؤية إخلاصه . فإذا سقط عن نفسه رؤية الإخلاص ، صار مخلصا مخلصا . وقيل : الإخلاص استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن . والرياء : أن يكون ظاهره خيرا من باطنه . والصدق في الإخلاص : أن يكون باطنه أعمر من ظاهره . وقيل : الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق . ومن تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين اللّه . ومن كلام الفضيل : ترك العمل من أجل الناس : رياء . والعمل من أجل الناس : شرك . والإخلاص : أن يعافيك اللّه منهما . قال الجنيد : الإخلاص سرّ بين اللّه وبين العبد . لا يعلمه ملك فيكتبه ، ولا شيطان فيفسده . ولا هوى فيميله . وقيل لسهل : أي شيء أشد على النفس ؟ فقال : الإخلاص . لأنه ليس لها فيه نصيب . وقال بعضهم : الإخلاص أن لا تطلب على عملك شاهدا غير اللّه ، ولا مجازيا سواه . وقال مكحول : ما أخلص عبد قط أربعين يوما إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه . وقال يوسف بن الحسين : أعز شيء في الدنيا : الإخلاص . وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي . فكأنه ينبت على لون آخر . وقال أبو سليمان الداراني . إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء . تعريف الإخلاص قال صاحب « المنازل » : « الإخلاص : تصفية العمل من كل شوب » . أي لا يمازج عمله ما يشوبه من شوائب إرادات النفس : إما طلب التزين في قلوب الخلق ، وإما طلب مدحهم ، والهرب من ذمهم ، أو طلب تعظيمهم ، أو طلب أموالهم ، أو خدمتهم ومحبتهم ، وقضائهم حوائجه ، أو غير ذلك من العلل والشوائب ، التي عقد متفرقاتها : هو إرادة ما سوى اللّه بعمله ، كائنا ما كان . درجات الإخلاص قال : « وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : إخراج رؤية العمل عن العمل . والخلاص من طلب العوض على العمل . والنزول عن الرضى بالعمل » .