ابن قيم الجوزية

380

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وهذا لا ينكر على الإطلاق ، ولا يقبل على الإطلاق . وهو موضع تفصيل وتمييز . وقد تقدم في أول الكتاب : ذكر طرق الخلق في هذا الموضع . وبيّنا طريق أهل الاستقامة . فالناس في هذا المقام أربعة أقسام : أحدهم : من لا يريد ربه ولا يريد ثوابه . فهؤلاء أعداؤه حقا . وهم أهل العذاب الدائم . وعدم إرادتهم لثوابه : إما لعدم تصديقهم به ، وإما لإيثار العاجل عليه ، ولو كان فيه سخطه . والقسم الثاني : من يريده ويريد ثوابه ، وهؤلاء خواص خلقه . قال اللّه تعالى : وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً ( 29 ) [ الأحزاب : 29 ] فهذا خطابه لخير نساء العالمين ، أزواج نبيه صلى اللّه عليه وسلم . وقال اللّه تعالى : وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها - وَهُوَ مُؤْمِنٌ - فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً [ الإسراء : 19 ] فأخبر أن السعي المشكور : سعي من أراد الآخرة . وأصرح منها : قوله لخواص أوليائه - وهم أصحاب نبيه صلى اللّه عليه وسلم ورضي عنهم - في يوم أحد مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [ آل عمران : 152 ] فقسمهم إلى هذين القسمين اللذين لا ثالث لهما . وقد غلط من قال : فأين من يريد اللّه ؟ فإن إرادة الآخرة عبارة عن إرادة اللّه تعالى وثوابه . فإرادة الثواب لا تنافي إرادة اللّه . والقسم الثالث : من يريد من اللّه ، ولا يريد اللّه . فهذا ناقص غاية النقص . وهو حال الجاهل بربه ، الذي سمع : أن ثمّ جنة ونارا . فليس في قلبه غير إرادة نعيم الجنة المخلوق ، لا يخطر بباله سواه البتة . بل هذا حال أكثر المتكلمين ، المنكرين رؤية اللّه تعالى ، والتلذذ بالنظر إلى وجهه في الآخرة ، وسماع كلامه وحبه . والمنكرين على من يزعم أنه يحب اللّه . وهم عبيد الأجرة المحضة . فهؤلاء لا يريدون اللّه تعالى وتقدس . ومنهم من يصرّح بأن إرادة اللّه محال . قالوا : لأن الإرادة إنما تتعلق بالحادث . فالقديم لا يراد . فهؤلاء منكرون لإرادة اللّه غاية الإنكار . وأعلى الإرادة عندهم : إرادة الأكل والشرب ، والنكاح واللباس في الجنة ، وتوابع ذلك . فهؤلاء في شقّ ، وأولئك - الذين قالوا : لم نعبده طلبا لجنته ، ولا هربا من ناره - في شق . وهما طرفا نقيض . بينهما أعظم من بعد المشرقين . وهؤلاء من أكثف الناس حجابا ، وأغلظهم طباعا ، وأقساهم قلوبا ، وأبعدهم عن روح المحبة والتأله ، ونعيم الأرواح والقلوب . وهم يكفرون أصحاب المحبة ، والشوق إلى اللّه ، والتلذذ بحبه ، والتصديق بلذة النظر إلى وجهه ، وسماع كلامه منه بلا واسطة . وأولئك لا يعدونهم من البشر إلا بالصورة . ومرتبتهم عندهم قريبة من مرتبة الجماد والحيوان البهيم . وهم عندهم في حجاب كثيف عن معرفة نفوسهم وكمالها ، ومعرفة معبودهم ، وسر عبوديته . وحال الطائفتين عجب لمن اطلع عليه . والقسم الرابع : - وهو محال - : أن يريد اللّه ، ولا يريد منه . فهذا هو الذي يزعم هؤلاء : أنه مطلوبهم ، وأن من لم يصل إليه ففي سيره علة ، وأن العارف ينتهي إلى هذا المقام . وهو أن