ابن قيم الجوزية

381

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

يكون اللّه مراده ، ولا يريد منه شيئا . كما يحكى عن أبي يزيد أنه قال : قيل لي : ما تريد ؟ فقلت : أريد أن لا أريد « 1 » . وهذا في التحقيق عين المحال الممتنع : عقلا وفطرة ، وحسا وشرعا . فإن الإرادة من لوازم الحي . وإنما يعرض له التجرد عنها بالغيبة عن عقله وحسه . كالسّكر والإغماء والنوم . فنحن لا ننكر التجريد عن إرادة ما سواه من المخلوقات التي تزاحم إرادتها إرادته . أفليس صاحب هذا المقام مريدا لقربه ورضاه ، ودوام مراقبته ، والحضور معه ؟ وأي إرادة فوق هذه ؟ . نعم . قد زهد في مراد لمراد هو أجلّ منه وأعلى . فلم يخرج عن الإرادة . وإنما انتقل من إرادة إلى إرادة ، ومن مراد إلى مراد . وأما خلوه عن صفة الإرادة بالكلية ، مع حضور عقله وحسه : فمحال . وإن حاكمنا في ذلك محاكم إلى ذوق مصطلم مأخوذ عن نفسه ، فان عن عوالمها : لم ننكر ذلك ، لكن هذه حال عارضة غير دائمة ، ولا هي غاية مطلوبة للسالكين ، ولا مقدورة للبشر ، ولا مأمور بها ، ولا هي أعلى المقامات . فيؤمر باكتساب أسبابها . فهذا فصل الخطاب في هذا الموضع . واللّه سبحانه وتعالى أعلم . قوله « ولا مشاهدا لأحد . فيكون متزينا بالمراءاة » . هذا فيه تفصيل أيضا . وهو أن المشاهدة في العمل لغير اللّه نوعان : مشاهدة تبعث عليه ، أو تقوّي باعثه . فهذه مراءاة خالصة أو مشوبة . كما أن المشاهدة القاطعة عنه أيضا من الآفات والحجب . ومشاهدة لا تبعث عليه ولا تعين الباعث . بل لا فرق عنده بين وجودها وعدمها . فهذه لا تدخله في التزين بالمراءاة . ولا سيما عند المصلحة الراجحة في هذه المشاهدة : إما حفظا ورعاية ، كمشاهدة مريض ، أو مشرف على هلكة يخاف وقوعه فيها . أو مشاهدة عدو يخاف هجومه كصلاة الخوف عند المواجهة . أو مشاهدة ناظر إليك يريد أن يتعلم منك ، فتكون محسنا إليه بالتعليم ، وإلى نفسك بالإخلاص . أو قصدا منك للاقتداء ، وتعريف الجاهل . فهذا رياء محمود . واللّه عند نية القلب وقصده . فالرياء المذموم : أن يكون الباعث : قصد التعظيم والمدح ، والرغبة فيما عند من ترائيه أو الرهبة منه ، وأما ما ذكرنا - من قصد رعايته ، أو تعليمه ، أو إظهار السنة ، وملاحظة هجوم العدو . ونحو ذلك - : فليس في هذه المشاهد رياء . بل قد يتصدق العبد رياء مثلا وتكون صدقته فوق صدقة صاحب السر . مثال ذلك : رجل مضرور . سأل قوما ما هو محتاج إليه . فعلم رجل منهم : أنه إن أعطاه

--> ( 1 ) يقصد أنه ليس هناك اثنينية حتى يكون هناك مريد ومراد منه . وهذا مقصد الصوفية القائلين : إنهم لا يخافون نارا ، ولا يرغبون في جنة . لأنه ليس ثم عندهم جنة ولا نار على الحقيقة . وإنما هو : أن يعود كل شيء إلى أصله الذي هو المادة الأولى التي هي الحقيقة الإلهية التي هي معبودهم .