ابن قيم الجوزية
364
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
كالهرب من الخوف . فمن رجا شيئا طلبه ورغب فيه . ومن خاف شيئا هرب منه . والمقصود : أن الراجي طالب ، والخائف هارب . قال صاحب المنازل : « الرغبة : هي من الرجاء بالحقيقة . لأن الرجاء طمع يحتاج إلى تحقيق . والرغبة سلوك على التحقيق » . أي « الرغبة » تتولد من الرجاء ، لكنه طمع . وهي سلوك وطلب . وقوله : « الرجاء طمع يحتاج إلى تحقيق » أي طمع في مغيب عنه مشكوك في حصوله ، وإن كان متحققا في نفسه ، كرجاء العبد دخول الجنة . فإن الجنة متحققة لا شك فيها . وإنما الشك في دخوله إليها . وهل يوافي ربه بعمل يمنعه منها أم لا ؟ بخلاف « الرغبة » فإنها لا تكون إلا بعد تحقق ما يرغب فيه . فالإيمان في الرغبة أقوى منه في الرجاء . فلذلك قال : « والرغبة سلوك على التحقيق » . هذا معنى كلامه . وفيه نظر . فإن « الرغبة » أيضا طلب مغيب ، هو على شك من حصوله . فإن المؤمن يرغب في الجنة وليس بجازم بدخولها . فالفرق الصحيح : أن « الرجاء » طمع و « الرغبة » طلب . فإذا قوي الطمع صار طلبا . قال : « والرغبة على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : رغبة أهل الخبر . تتولد من العلم . فتبعث على الاجتهاد المنوط بالشهود . وتصون السالك عن وهن الفترة وتمنع صاحبها من الرجوع إلى غثاثة الرخص » . أراد « بالخبر » ههنا الإيمان الصادر عن الأخبار . ولهذا جعل تولدها من العلم . ولكن هذا الإيمان متصل بمنزلة « الإحسان » منه يشرف عليه . ويصل إليه . ولهذا قال « المنوط بالشهود » أي المقترن بالشهود . وذلك الشهود : هو مشهد مقام الإحسان . وهو أن تعبد اللّه كأنك تراه . ولا مشهد للعبد في الدنيا أعلى من هذا . وعند كثير من الصوفية أن فوقه مشهدا أعلى منه . وهو شهود الحق مع غيبته عن كل ما سواه ، وهو مقام الفناء . وقد عرفت ما فيه . ولو كان فوق مقام « الإحسان » مقام آخر لذكره النبي صلى اللّه عليه وسلم لجبريل . ولسأله جبريل عنه . فإنه جمع مقامات الدين كلها في الإسلام والإيمان والإحسان . نعم الفناء المحمود : هو تحقيق مقام الإحسان . وهو أن يفنى بحبه وخوفه ورجائه ، والتوكل عليه وعبادته ، والتبتل إليه عن غيره . وليس فوق ذلك مقام يطلب إلا ما هو من عوارض الطريق . قوله : « وتصون السالك عن وهن الفترة » أي تحفظه عن وهن فتوره وكسله ، الذي سببه عدم الرغبة أو قلتها . وقوله : « وتمنع صاحبها من الرجوع إلى غثاثة الرخص » أهل العزائم بناء أمرهم على الجد