ابن قيم الجوزية
365
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
والصدق . فالسكون منهم إلى الرخص رجوع وبطالة . وهذا موضع يحتاج إلى تفصيل . ليس على إطلاقه ، فإن اللّه عزّ وجلّ يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه . وفي « المسند » مرفوعا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم « إن اللّه يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته » فجعل الأخذ بالرخص قبالة إتيان المعاصي . وجعل حظّ هذا : المحبة . وحظ هذا : الكراهية . و « ما عرض للنبي صلى اللّه عليه وسلم أمران إلا اختار أيسرهما ، ما لم يكن إثما » والرخصة أيسر من العزيمة . وهكذا كان حاله في فطره وسفره ، وجمعه بين الصلاتين ، والاقتصار من الرباعية على ركعتين ، وغير ذلك . فنقول : الرخصة نوعان : أحدهما : الرخصة المستقرة المعلومة من الشرع نصا ، كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير ، عند الضرورة . وإن قيل لها : عزيمة : باعتبار الأمر والوجوب . فهي رخصة باعتبار الإذن والتوسعة . وكفطر المريض والمسافر . وقصر الصلاة في السفر . وصلاة المريض إذا شقّ عليه القيام قاعدا . وفطر الحامل والمرضع خوفا على ولديهما . ونكاح الأمة خوفا من العنت ، ونحو ذلك . فليس في تعاطي هذه الرخص ما يوهن رغبته . ولا يرد إلى غثاثة . ولا ينقص طلبه وإرادته البتة . فإن منها ما هو واجب ، كأكل الميتة عند الضرورة . ومنها ما هو راجح المصلحة ، كفطر الصائم المريض ، وقصر المسافر وفطره . ومنها ما مصلحته للمترخص وغيره . ففيه مصلحتان قاصرة ومتعدية . كفطر الحامل والمرضع . ففعل هذه الرخص أرجح وأفضل من تركها . النوع الثاني : رخص التأويلات ، واختلاف المذاهب . فهذه تتبّعها حرام ينقص الرغبة ، ويوهن الطلب ، ويرجع بالمترخص إلى غثاثة الرخص . فإن من ترخص بقول أهل مكة في الصّرف ، وأهل العراق في الأشربة ، وأهل المدينة في الأطعمة ، وأصحاب الحيل في المعاملات ، وقول ابن عباس في المتعة ، وإباحة لحوم الحمر الأهلية ، وقول من جوّز نكاح البغايا المعروفات بالبغاء ، وجوز أن يكون زوج قحبة . وقول من أباح آلات اللهو والمعازف : من اليراع والطنبور ، والعود والطبل والمزمار . وقول من أباح الغناء ، وقول من جوز استعارة الجواري الحسان للوطء ، وقول من جوز للصائم أكل البرد . وقال : ليس بطعام ولا شراب ، وقول من جوز الأكل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس للصائم . وقول من صحح الصلاة « بمدهامتان » بالفارسية . وركع كلحظة الطرف . ثم هوى من غير اعتدال . وفصل بين السجدتين كحد السيف . ولم يصل على النبي صلى اللّه عليه وسلم . وخرج من الصلاة بحبقة . وقول من جوز وطء النساء في أعجازهن . ونكاح بنته المخلوقة من مائه ، الخارجة من صلبه حقيقة ، إذا كان ذلك الحمل من زنى ، وأمثال ذلك من رخص المذاهب وأقوال العلماء . فهذا الذي تنقص بترخصه رغبته ويوهن طلبه . ويلقيه في غثاثة الرخص . فهذا لون والأول لون . قال « الدرجة الثانية : رغبة أرباب الحال . وهي رغبة لا تبقي من المجهود مبذولا . ولا تدع للهمة ذبولا . ولا تترك غير القصد مأمولا » . يعني أن الرغبة الحاصلة لأرباب الحال : فوق رغبة أصحاب الخبر . لأن صاحب الحال كالمضطر إلى رغبته وإرادته . فهو كالفراش الذي إذا رأى النور ألقى نفسه فيه . ولا يبالي ما