ابن قيم الجوزية
355
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وأثنى عليهم . فقال : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ( 21 ) [ الأحزاب : 21 ] . وفي الحديث الصحيح الإلهي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم - فيما يروي عن ربه عزّ وجلّ - « يا ابن آدم ، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي » وروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « يقول اللّه عزّ وجلّ : أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه . إذا ذكرني في نفسه ، ذكرته في نفسي . وإن ذكرني في ملأ ، ذكرته في ملأ خير منهم . وإن اقترب إليّ شبرا ، اقتربت إليه ذراعا . وإن اقترب إليّ ذراعا . اقتربت إليه باعا . وإن أتاني يمشي أتيته هرولة » رواه مسلم . وقد أخبر تعالى عن خواص عباده الذين كان المشركون يزعمون أنهم يتقربون بهم إلى اللّه تعالى : أنهم كانوا راجين له خائفين منه . فقال تعالى : قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا ( 56 ) أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً ( 57 ) [ الإسراء : 56 ، 57 ] . يقول تعالى : هؤلاء الذين تدعونهم من دوني : هم عبادي ، يتقربون إليّ بطاعتي ، ويرجون رحمتي ، ويخافون عذابي ، فلماذا تدعونهم من دوني ؟ فأثنى عليهم بأفضل أحوالهم ومقاماتهم : من الحب ، والخوف والرجاء . قوله : « لأنه معارضة من وجه ، واعتراض من وجه » . يقال : وهو عبودية ، وتعلق باللّه من حيث اسمه « المحسن البرّ » فذلك التعلق والتعبد بهذا الاسم والمعرفة باللّه : هو الذي أوجب للعبد الرجاء ، من حيث يدري ومن حيث لا يدري . فقوة الرجاء على حسب قوة المعرفة باللّه وأسمائه وصفاته ، وغلبة رحمته غضبه . ولولا روح الرجاء لعطّلت عبودية القلب والجوارح . وهدّمت صوامع ، وبيع ، وصلوات ، ومساجد يذكر فيها اسم اللّه كثيرا . بل لولا روح الرجاء لما تحركت الجوارح بالطاعة . ولولا ريحه الطيبة لما جرت سفن الأعمال في بحر الإرادات . ولي من أبيات : لولا التعلّق بالرجاء تقطّعت * نفس المحب تحسرا وتمزقا وكذاك لولا برده بحرارة ال * أكباد ذابت بالحجاب تحرقا أيكون قط حليف حب لا يرى * برجائه لحبيبه متعلقا ؟ ! أم كلما قويت محبته له * قوي الرجاء فزاد فيه تشوقا لولا الرجا يحدو المطيّ لما سرت * بحمولها لديارهم ترجو اللقا وعلى حسب المحبة وقوتها يكون الرجاء . فكل محب راج خائف بالضرورة فهو أرجى ما يكون لحبيبه أحب ما يكون إليه . وكذلك خوفه . فإنه يخاف سقوطه من عينه ، وطرد محبوبه له وإبعاده ، واحتجابه عنه . فخوفه أشد خوف . ورجاؤه ذاتي للمحبة . فإنه يرجوه قبل لقائه والوصول إليه . فإذا لقيه ووصل إليه اشتد الرجاء له ، لما يحصل له به من حياة روحه ، ونعيم قلبه من ألطاف محبوبه ، وبره وإقباله عليه ، ونظره إليه بعين الرضى ، وتأهيله في محبته ، وغير ذلك مما لا حياة للمحب ، ولا نعيم ولا فوز إلا بوصوله إليه من