ابن قيم الجوزية

356

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

محبوبه . فرجاؤه أعظم رجاء ، وأجلّه وأتمه . فتأمل هذا الموضع حق التأمل يطلعك على أسرار عظيمة من أسرار العبودية والمحبة . فكل محبة فهي مصحوبة بالخوف والرجاء . وعلى قدر تمكنها من قلب المحب يشتد خوفه ورجاؤه ، لكن خوف المحب لا يصحبه وحشة . بخلاف خوف المسئ ، ورجاء المحب لا يصحبه علة ، بخلاف رجاء الأجير . وأين رجاء المحب من رجاء الأجير ؟ وبينهما كما بين حاليهما . وبالجملة : فالرجاء ضروري للمريد السالك ، والعارف لو فارقه لحظة لتلف أو كاد . فإنه دائر بين ذنب يرجو غفرانه ، وعيب يرجو إصلاحه ، وعمل صالح يرجو قبوله ، واستقامة يرجو حصولها ودوامها ، وقرب من اللّه ومنزلة عنده يرجو وصوله إليها . ولا ينفك أحد من السالكين عن هذه الأمور أو بعضها . فكيف يكون الرجاء من أضعف منازله . وهذا حاله ؟ . وأما حديث المعارضة والاعتراض فباطل . فإن الراجي ليس معارضا ، ولا معترضا ، بل راغبا راهبا . مؤملا لفضل ربه . حسن الظن به ، متعلق الأمل ببره وجوده ، عابدا له بأسمائه « المحسن ، البر ، المعطي ، الحليم ، الغفور ، الجواد ، الوهاب ، الرزاق » واللّه سبحانه وتعالى يحب من عبده أن يرجوه . ولذلك كان عند رجاء العبد له وظنه به . و « الرجاء » من الأسباب التي ينال بها العبد ما يرجوه من ربه ، بل هو من أقوى الأسباب . ولو تضمن معارضة واعتراضا لكان ذلك في الدعاء والمسألة أولى فكان دعاء العبد ربه وسؤاله - أن يهديه ويوفقه ويسدده ، ويعينه على طاعته ويجنبه معصيته ، ويغفر ذنوبه ، ويدخله الجنة ، وينجيه من النار - معارضة واعتراضا . لأن الداعي راج وطالب ما يرجوه . فهو أولى حينئذ بالمعارضة والاعتراض . والذي أوجب للشيخ هذا القدر : الاسترسال في القدر . والفناء في شهود الحقيقة الكونية . فإنه من الراسخين فيه الذين لا تأخذهم فيه لومة لائم . وهو شديد في إنكار الأسباب . وهذا موضع زلت فيه أقدام أئمة أعلام . ولولا أن حق الحق أوجب من حق الخلق لكان في الإمساك فسحة ومتّسع . وليس في « الرجاء » ولا في « الدعاء » معارضة لتصرف المالك في ملكه . فإنه إنما يرجو تصرفه في ملكه أيضا بما هو أولى وأحب الأمرين إليه . فإن الفضل أحب إليه من العدل . والعفو أحب إليه من الانتقام ، والمسامحة أحب إليه من الاستقصاء . والترك أحب إليه من الاستيفاء . ورحمته غلبت غضبه . فالراجي علّق رجاءه بتصرفه المحبوب له المرضي له . فلم يوجب رجاؤه خروجه عن تصرفه في ملكه . بل اقتضى عبوديته ، وحصول أحب التصرفين إليه . وهو سبحانه وتعالى لا ينتفع باستيفاء حقه وعقوبة عبده ، حتى يكون رجاؤه مبطلا لذلك . وإنما العبد استدعى العقوبة ، وأخذ الحق منه لشركه باللّه وكفره به . واجتهاده في غضبه . ولغضبه موجبات وآثار ومقتضيات - والعبد مؤثر لها - ساع في تحصيلها ، عامل عليها بإيثاره إياها وسعيه في أسبابها . فهو المهلك لنفسه . وربه يحذره ويبصره ويناديه : هلم إليّ أحمك وأصنك ، وأنجّك مما تحذر ، وأؤمنك من كل ما تخاف . وهو يأبى إلا شرودا عليه ونفارا عنه ، ومصالحة لعدوه ، ومظاهرة له على ربه . ومتطلبا