ابن قيم الجوزية
312
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
الإمعان في تفهم معانيه ، وتدبر خطابه قليلا قليلا . إلى أن ينخلع من قلبه سماع الأبيات . ويلبس محبة سماع الآيات . ويصير ذوقه وشربه وحاله ووجده فيه . فحينئذ يعلم هو من نفسه : أنه لم يكن على شيء ، ويتمثل حينئذ بقول القائل : وكنت أرى أن قد تناهى بي الهوى * إلى غاية ما فوقها لي مطلب فلما تلاقينا . وعاينت حسنها * تيقنت أني إنما كنت ألعب ومنافاة النوح للصبر والغناء للشكر : أمر معلوم بالضرورة من الدين . لا يمتري فيه إلا أبعد الناس من العلم والإيمان . فإن الشكر هو الاشتغال بطاعة اللّه لا بالصوت الأحمق الفاجر ، الذي هو للشيطان . وكذلك النوح ضد الصبر ، كما قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في النائحة - وقد ضربها حتى بدا شعرها - وقال « لا حرمة لها . إنها تأمر بالجزع . وقد نهى اللّه عنه . وتنهى عن الصبر . وقد أمر اللّه به . وتفتن الحي وتؤذي الميت . وتبيع عبرتها . وتبكي شجو غيرها » . ومعلوم عند الخاصة والعامة : أن فتنة سماع الغناء والمعازف أعظم من فتنة النوح بكثير . والذي شاهدناه - نحن وغيرنا - وعرفناه بالتجارب : أنه ما ظهرت المعازف وآلات اللهو في قوم ، وفشت فيهم ، واشتغلوا بها ، إلا سلط اللّه عليهم العدو ، وبلوا بالقحط والجدب وولاة السوء . والعاقل يتأمل أحوال العالم وينظر « 1 » ؛ واللّه المستعان . ولا تستطل كلامنا في هذه المنزلة . فإن لها عند القوم شأنا عظيما . وأما قولهم : « من أنكر على أهله فقد أنكر على كذا وكذا وليّ للّه » فحجة عامية . نعم إذا أنكر أولياء اللّه على أولياء اللّه « 2 » كان ماذا ؟ فقد أنكر عليهم من أولياء اللّه من هو أكثر منهم عددا ، وأعظم عند اللّه وعند المؤمنين منهم قدرا . وأقرب بالقرون المفضلة عهدا . وليس من شرط ولي اللّه العصمة . وقد تقاتل أولياء اللّه في صفين بالسيوف . ولما سار بعضهم إلى بعض كان يقال : سار أهل الجنة إلى أهل الجنة . وكون ولي اللّه يرتكب المحظور والمكروه متأوّلا أو عاصيا لا يمنع ذلك من الإنكار عليه ، ولا يخرجه عن أصل ولاية اللّه . وهيهات هيهات أن يكون أحد من أولياء اللّه المتقدمين حضر هذا السماع المحدث المبتدع . المشتمل على هذه الهيئة التي تفتن القلوب ، أعظم من فتنة المشروب ، وحاشا أولياء اللّه من ذلك وإنما السماع الذي اختلف فيه مشايخ القوم : اجتماعهم في مكان خال من الأغيار يذكرون اللّه ، ويتلون شيئا من القرآن . ثم يقوم بينهم قوّال ينشدهم شيئا من الأشعار المزهدة في الدنيا ، المرغبة في لقاء اللّه ومحبته ، وخوفه ورجائه ، والدار الآخرة ، وينبههم على بعض أحوالهم من يقظة أو غفلة ، أو بعد أو انقطاع ، أو تأسف على فائت ، أو تدارك لفارط ، أو وفاء بعهد ، أو تصديق بوعد ، أو ذكر قلق
--> ( 1 ) ذلك أنهم باللهو والغناء يقلبون حياتهم من الجد إلى اللعب والسخرية . ومن الرشد إلى السفه والغيّ . ومن القوة إلى الضعف والوهن . فإن حياة الغناء واللهو واللعب لا بد تحلل عناصر القوة والنشاط العلمي والعملي الذي لا نجاح للأمة ولا قوة لها إلا به . فتضعف صناعيا واقتصاديا وزراعيا وعسكريا فضلا عن انهيارها الخلقي ، وشدة تعرضها للعنة اللّه . ويصبح أمرها فرطا . لأن قلوبها غفلت عن الحق في سنن اللّه وآياته وحكمته . واتبعت هواها . فهوى بها إلى درك الوهن والضعف . ( 2 ) وهل هؤلاء المفتونون بالغناء والموسيقى والرقص أولياء للّه ؟ ! . فمن أولياء الشيطان وأعداء اللّه إذن ؟ .