ابن قيم الجوزية
313
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وشوق ، أو خوف فرقة أو صد ، وما جرى هذا المجرى . فهذا السماع الذي اختلف فيه القوم « 1 » . لا سماع المكاء والتصدية ، والمعازف والخمريات ، وعشق الصور من المردان والنسوان ، وذكر محاسنها ووصالها وهجرانها . فهذا لو سئل عنه من سئل من أولي العقول لقضى بتحريمه . وعلم أن الشرع لا يأتي بإباحته . وأنه ليس على الناس أضر منه ، ولا أفسد لعقولهم وقلوبهم وأديانهم وأموالهم وأولادهم وحريمهم منه . واللّه أعلم . درجات السماع قال صاحب المنازل : « السماع على ثلاث درجات : سماع العامة ، وهو ثلاثة أشياء : إجابة زجر الوعيد رغبة . وإجابة دعوة الوعد جهدا . وبلوغ مشاهدة المنة استبصارا » . الوعيد : يكون على ترك المأمور وفعل المحظور . وإجابة داعيه : هو العمل بالطاعة . وقوله : « رغبة » يعني امتثالا لكون اللّه تعالى أمر ونهى وأوعد . وحقيقة الرجاء : الخوف والرجاء : فيفعل ما أمر به على نور الإيمان . راجيا للثواب . ويترك ما نهى عنه على نور الإيمان خائفا من العقاب . وفي الرغبة فائدة أخرى . وهي أن فعله يكون فعل راغب مختار ، لا فعل كاره ، كأنما يساق إلى الموت وهو ينظر . وأما إجابة الوعد جهدا : فهو امتثال الأمر طلبا للوصول إلى الموعود به ، باذلا جهده في ذلك ، مستفرغا فيه قواه . وأما بلوغ مشاهدة المنة استبصارا : فهو تنبه السامع في سماعه إلى أن جميع ما وصله من خير فمن منة اللّه عليه . وبفضله عليه من غير استحقاق منه . ولا بذل عوض استوجب به ذلك . كما قال تعالى يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 17 ) [ الحجرات : 17 ] وكذلك يشهد أن ما زوي عنه من الدنيا ، أو ما لحقه منها من ضرر وأذى فهو منة أيضا من اللّه عليه من وجوه كثيرة ، ويستخرجها الفكر الصحيح . كما قال بعض السلف « يا ابن آدم ، لا تدري أي النعمتين عليك أفضل : نعمته فيما أعطاك ، أو نعمته فيما زوى عنك ؟ » وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه « لا أبالي على أي حال أصبحت أو أمسيت . إن كان الغنى ، إن فيه للشّكر . وإن كان الفقر ، إن فيه للصّبر » وقال بعض السلف : « نعمته فيما زوى عني من الدنيا
--> ( 1 ) وهذا واللّه لم يكن منه إلا ما ولد البدع المضلة ، وقسوة القلوب عن هدى اللّه وذكره « وخير الهدى هدى محمد صلى اللّه عليه وسلم . وشر الأمور محدثاتها . وكل بدعة ضلالة » وإنما شرع قدامي الصوفية من آلاف السنين - في الهند والصين وغيرهما - المزامير والبخور وحفلات الرقص وأشباهها ليجذبوا بها النفوس البهيمية الجاهلية ، ويخدعوها عن أن تكون مخبتة للّه رب العالمين . وقد ورث ذلك النصارى في كنائسهم وبرأ اللّه عيسى ومحمدا وإخوانهما من المرسلين عليهم الصلاة والسلام .